غادرنا الخرطوم لكننا لم نستطع مغادرتها كوداويات محمد بلال كوداوي
غادرنا الخرطوم لكننا لم نستطع مغادرتها
كوداويات محمد بلال كوداوي

مرت السنين وأدركنا أن بعض الرحيل لا يحتاج إلى خطوات فقد نغادر المكان بأجسادنا بينما تبقى قلوبنا أسيرة فيه معلّقة على أبوابه وفي شوارعه وبين تفاصيله التي لا يعرف قيمتها إلا من فقدها.
وتعلمنا أن العيون قد تبتسم وهي تخفي أثقل الأوجاع، وأن المشاعر كثيرًا ما تتقن الصمت أكثر من الكلام، وأن هناك أوجاعًا لا تُروى، ليس لأنها صغيرة، بل لأنها أكبر من أن تختصرها الكلمات.
أتعبتنا المحاولات، لا لأن الطريق كان طويلًا، ولكن لأننا أصررنا طويلًا على حمل ما لم يعد لنا، وعلى التمسك بأشياء أدركنا متأخرين أنها انتهت.
حتى اكتشفنا أن بعض الجهود لا تثمر إلا درسًا، وأن النجاة أحيانًا تبدأ حين نتوقف عن ملاحقة ما انتهى.
غادرنا الخرطوم مشردين تحت وطأة الحرب منذ ثلاثة سنوات .
لم نغادرها لأننا أردنا الرحيل ولم نحمل معنا شيئاً وتركنا خلفنا كل شيء تركنا كل مقتنيات العمر وتركنا بيوتًا وذكريات وأيامًا وأحلامًا وأعمارًا كاملة.
ومنذ ذلك اليوم ونحن نحاول أن نقنع أنفسنا بأننا بخير وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد، لكن الحقيقة أن بعض المدن لا تكون مجرد مكان نسكنه، بل تكون جزءًا من أرواحنا.
مرّت الأيام، وتغيّرت الأماكن، وتفرّق الناس،
وفقدنا كل ما كان لدينا
ولكن بعض الفقد لا يكون فقدَ مقتنيات فقط ولا بيتٍ فقط، ولا شارعٍ فقط، ولا مدينةٍ فقط .
إنه فقدٌ لنسخة كاملة من حياتنا، نسخة كانت تعيش بين أهلها، وفي بيتها، وفي وطنها، دون أن تعرف أن يومًا سيأتي تصبح فيه العودة أمنية.
وبعد
الصمت الذي يأتي بعد تقبّل الواقع هو أسوأ شعور يمكن أن تعيشه؛ لأنك لا تعود قادرًا على البكاء، ولا على الاحتجاج، ولا حتى على السؤال: لماذا حدث كل هذا؟
فقط تصمت
وتتعايش
وتكمل الطريق، وفي داخلك مدينة كاملة لم تعد إليها حتى الآن.
ولعل أقسى ما في الرحيل أننا لم نغادر الخرطوم وحدها
لقد تركنا فيها شيئًا منّا، وما زلنا نبحث عنه كلما اشتقنا إلى الأيام التي لن تعود.
✍️ كوداوي
