منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

       التعليم الصناعي أولا       .. كيف نصنع نهضة قابلة للحياة في الخرطوم؟               د. الشاذلي عبداللطيف

0

       التعليم الصناعي أولا

      .. كيف نصنع نهضة قابلة للحياة في الخرطوم؟
             ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

تابعت باهتمام اجتماع مدير عام وزارة الصناعة والتجارة بولاية الخرطوم مع منظومة الصناعات التحويلية، ورأيت أن هذا النوع من الاجتماعات يمكن أن يتحول من نقاش حول مشكلات المصانع إلى مدخل حقيقي لبناء سياسة صناعية جديدة، إذا بدأنا من السؤال الصحيح: ما الذي تحتاجه الصناعة حتى تستمر، لا حتى تعمل مؤقتا؟
الواقع يقول إن الصناعة في السودان لا تعاني فقط من التمويل والطاقة والمواد الخام وبيئة التشغيل، بل تعاني أيضا من نقص العامل الفني المؤهل، ومن ضعف الصلة بين التعليم وسوق العمل. وهذه ليست مشكلة هامشية، بل واحدة من أهم نقاط الضعف في أي محاولة جادة لإعادة بناء القطاع الصناعي.
لذلك فإن فكرة إنشاء معاهد خاصة بالتعليم الصناعي ينبغي ألا تطرح باعتبارها مشروعا إنشائيا جديدا يحتاج إلى مبان وميزانيات ضخمة منذ اليوم الأول، وإنما باعتبارها برنامجا عمليا تدريجيا، يبدأ بما هو متاح وينمو مع احتياجات الصناعة.
المدخل الواقعي هو إنشاء نموذج للشراكة بين الوزارة والمصانع ومؤسسات التعليم الفني القائمة. فبدلا من انتظار بناء معاهد جديدة بالكامل، يمكن اختيار عدد محدود من مراكز التدريب أو المدارس الفنية وتأهيلها، ثم ربط كل مركز بمجموعة من المصانع في نطاق جغرافي واحد.
بهذا تصبح المصانع شريكا في التدريب، لا مجرد جهة تنتظر الخريج بعد تخرجه.
والخطوة الثانية هي أن تحدد المصانع نفسها المهارات التي تحتاجها بصورة دقيقة. لا نحتاج إلى تخصصات عامة لا تجد طريقها إلى سوق العمل، بل إلى برامج قصيرة ومتوسطة المدى في الكهرباء الصناعية، الميكانيكا، اللحام، التبريد، تشغيل وصيانة خطوط الإنتاج، التحكم، التعبئة والتغليف، الجودة والسلامة المهنية، والصناعات الغذائية وغيرها.
كما يمكن تصميم برامج تدريب من ستة أشهر إلى عامين، بحسب طبيعة المهنة، مع منح شهادات مهنية معترف بها، وربط التخرج بإكمال ساعات تدريب حقيقية داخل المصنع.
هنا تتحول المعادلة من “تعليم ثم بحث عن وظيفة” إلى “تعليم من أجل وظيفة موجودة أو مهارة مطلوبة”.
والفكرة الأهم اقتصاديا هي ألا تتحمل الدولة وحدها التكلفة. يمكن أن تسهم المصانع في التدريب والمعدات والمدربين، بينما توفر الحكومة الإطار التنظيمي والمناهج والاعتماد والحوافز. ويمكن منح المصانع المشاركة مزايا تشجيعية مرتبطة بعدد المتدربين الذين تستوعبهم أو تؤهلهم.
كذلك يجب فتح الباب أمام الشباب خارج المسار الجامعي، وحتى العاملين الموجودين داخل المصانع، لإعادة التأهيل ورفع المهارات. فالمعهد الصناعي الناجح لا يخدم الطالب فقط، بل يخدم العامل والفني والمشرف وصاحب المصنع أيضا.
ومن المهم كذلك تغيير الثقافة الاجتماعية التي جعلت الشهادة الجامعية غاية في ذاتها. الاقتصاد لا يحتاج إلى حملة شهادات فقط، بل يحتاج إلى من يصنع ويصلح ويشغل ويطور. وفي مراحل إعادة البناء تكون الحاجة إلى الفني الماهر أحيانا أكبر من الحاجة إلى كثير من الوظائف المكتبية.
يمكن للخرطوم أن تبدأ بمعهد نموذجي واحد مرتبط بمنطقة صناعية محددة، ثم تقيس النتائج بعد عامين: كم خريجا تم توظيفه؟ كم مصنعا استفاد؟ ما حجم النقص الذي تمت معالجته؟ وما التخصصات التي أثبتت جدواها؟
إذا نجح النموذج، يمكن التوسع فيه تدريجيا.
هذه هي الفكرة الواقعية: لا نبدأ بمشروع ضخم على الورق، بل بنموذج صغير قابل للقياس، تحكمه حاجة السوق وتشارك فيه الصناعة نفسها.
فنهضة الصناعة لا تتحقق بكثرة الاجتماعات ولا بكثرة المنشآت وحدها، وإنما حين تصبح العلاقة بين المعهد والمصنع وسوق العمل علاقة واحدة متصلة.
وعندها فقط يمكن أن نقول إننا لا نعيد تشغيل المصانع فحسب، بل نبني قاعدة بشرية قادرة على حماية الصناعة واستمرارها وتطويرها.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.