منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
الحارث إدريس.. ..دبلوماسي يتحدث بلغة السودان ولا يخشى لومة لائم كوداويات محمد بلال كوداوي الجنسية السودانية في سوق السياسة كوداويات✍️ محمد بلال كوداوي عندما تصبح الهوية الوطنية سلعة يصبح الو... جهاز المخابرات العامة يهنئ بمناسبة المولد النبوي الشريف* من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الإنتاج (كيف يعاد تصميم الاقتصاد السوداني؟) بقلم مستشار : احمد حسن الفاد... القوات المسلحة حاميةالوحدة كيف أقسم ضباط الدفعة 36 على حماية الوطن ✍البروفيسور علي عيسى عبد الرحم... وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي الحوار السوداني... ومأزق صمود وبرغم التوقع.. عبد المعز حسين مكابرابي الفيتو الروسي..مدلولات حليف إستراتيجي للسودان ( إنتصار منطق ... أمواج ناعمة تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٦٧) د. ياسر محجوب الحسين دفتر الكرامة. طبيب ترك جامعة الخرطوم ليسكن الغابة. الكاتب: ناصر الفاتح حين ترى الأمم المتحدة الحقيقة ثم تخشى أن تنطق بها✍️السفير رشاد فراج الطيب

من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الإنتاج (كيف يعاد تصميم الاقتصاد السوداني؟) بقلم مستشار : احمد حسن الفادني

0

من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الإنتاج
(كيف يعاد تصميم الاقتصاد السوداني؟)
بقلم مستشار : احمد حسن الفادني

لم يعد الاقتصاد السوداني أمام أزمة عابرة يمكن تجاوزها بمجموعة من الإجراءات النقدية أو المالية المؤقتة ما حدث خلال السنوات الأخيرة ولا سيما منذ اندلاع الحرب التي أحدث تحول عميق في طبيعة الاقتصاد نفسه فقد تراجعت القدرة الإنتاجية واضطربت الأسواق وتضررت سلاسل الإمداد،د وانكمشت الإيرادات العامة وتراجعت قدرة الجهاز المصرفي على تمويل النشاط الاقتصادي بينما أصبح جزء كبير من النشاط الاقتصادي موجه نحو تأمين الاحتياجات الأساسية والمحافظة على رأس المال بدل من الاستثمار والتوسع.
ومن هنا تنبع فكرة المقال من و التساؤل الحتمي كيف ننتقل من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الإنتاج؟ حيث تعتبر نقلة تتطلب إعادة التفكير في فلسفة الاقتصاد السوداني وأولوياته وأدواته لأن إعادة تحريك الاقتصاد القديم بذات القواعد والهياكل التي أنتجت هشاشته لن تكن كافية لبناء اقتصاد قادر على الصمود والنمو، فاقتصاد البقاء هو اقتصاد تتغير فيه طبيعة القرارات الاقتصادية تحت ضغط الندرة. يصبح المواطن أكثر انشغال بتأمين الغذاء والطاقة والدواء ويصبح المنتج أكثر اهتماما بالمحافظة على نشاطه من توسيعه ويصبح المستثمر أكثر ميول إلى الأنشطة قصيرة الأجل بينما تتحول الدولة تدريجيا من الاستثمار في المستقبل إلى إدارة الاحتياجات العاجلة.
وقد يظل السوق في مثل هذه الظروف نشط وقد تتحرك السلع والأموال وقد تستمر التجارة وقد ، وقد ، وقد ، ولكن الحركة الاقتصادية لا تعني بالضرورة نموا اقتصاديا، فقد تكون الأسواق مشغولة بإعادة توزيع الموجود بدلا من إنتاج الجديد وهذه واحدة من أهم الإشكالات التي ينبغي الانتباه إليها في قراءة الاقتصاد
السوداني الراهن.
فالمطلوب استعادة القدرة على إنتاج القيمة:
السودان في الحقيقة لا يعاني من غياب الموارد الاقتصادية فهو يمتلك قاعدة واسعة من الأراضي الزراعية وثروة حيوانية ضخمة وموارد معدنية ومياه عذبه وساحل بحري، وموقع جغرافي يمكن أن يمنحه دورا مهما في التجارة الإقليمية إلى جانب قاعدة بشرية يمكن أن تشكل قوة إنتاجية كبيرة، ولكن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك اقتصاد قوي، فالمشكلة الأساسية تكمن في ضعف القدرة على تحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية مضافة. وهذه ربما تكون إحدى أكثر النقاط أهمية في فهم الاقتصاد السوداني، فالاقتصاد الذي يصدر المادة الخام يحصل على جزء محدود من القيمة بينما الاقتصاد الذي ينتج ويصنع ويعبأ ويسوق ويصدر المنتج النهائي يستحوذ على مساحة أكبر بكثير من القيمة الاقتصادية.
وهنا ينبغي أن تتغير النظرة إلى القطاعات الاقتصادية، فالزراعة مثلا لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها نشاط لإنتاج المحاصيل فقط وإنما باعتبارها نقطة بداية لسلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية تبدأ من المدخلات الزراعية والإنتاج وتمتد إلى التخزين والنقل والتصنيع والتعبئة والتسويق والتصدير، في نفس الصياغة فإن الفول السوداني لايعد فقط محصول تصديري، والسمسم ليس سلعة خام، والقطن لا يعتبر مجرد محصول زراعي، و الثروة الحيوانية ليست حيوانات معدة للبيع، فكل مورد من هذه الموارد يمكن أن يكون أساس قوي لصناعة متكاملة توفر فرص العمل وتزيد القيمة المضافة وتوسع قاعدة الصادرات وتولد إيرادات للدولة، فهذا هو التحول المطلوب من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد القيمة.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى زيادة إنتاجه الزراعي انما يحتاج إلى أن يحتفظ بأكبر قدر ممكن من القيمة الناتجة عن هذا الإنتاج داخل الاقتصاد الوطني، وهذا يتطلب ربط الزراعة بالصناعة، وربط الصناعة بالطاقة والتمويل، وربط الإنتاج بالأسواق المحلية والخارجية، بحيث تصبح القطاعات الاقتصادية حلقات في منظومة واحدة بعيدا من أن تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة بناء الصناعة السودانية ولكن لا بمنطق إقامة المصانع لمجرد زيادة عددها وإنما بمنطق بناء صناعة مرتبطة بميزة السودان النسبية وباحتياجات السوق وبالقدرة على المنافسة.
فالصناعات الغذائية تمثل مدخلا طبيعيا لهذا التحول لأنها ترتبط مباشرة بالزراعة وبالاحتياجات المحلية وبالأسواق الإقليمية،كما يمكن أن تشكل صناعات النسيج والجلود واللحوم والزيوت والأعلاف والتعبئة والتغليف ومواد البناء والصناعات الهندسية المرتبطة بالزراعة والطاقة مجالات واسعة لبناء قاعدة صناعية أكثر عمقا.
لكن نجاح هذه الصناعات لن يتحقق بالقرارات الإدارية وحدها ، فالصناعة تحتاج إلى طاقة مستقرة وتمويل مناسب و لوجستيك فعال ومواد خام منتظمة وسياسة تجارية واضحة وسوق قادر على استيعاب الإنتاج ونظام قانوني يحمي الاستثمار ويضمن استقرار القرار الاقتصادي.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من التفكير في القطاعات إلى التفكير في سلاسل القيمة، فالمشكلة ليست أن الزراعة ضعيفة والصناعة ضعيفة والتجارة ضعيفة كل على حدة، المشكلة أن العلاقة بين ضعيفة جدا و غير مترابطة مع بعضها البعض عندما لا يجد المزارع التمويل و المدخلات والسوق تنخفض إنتاجيته، وعندما لا يجد المصنع المواد الخام المنتظمة والطاقة ترتفع تكلفته. وعندما لا يجد المصدر بنية لوجستية مناسبة يفقد القدرة على المنافسة وفي النهاية يخسر الاقتصاد كله.
لذلك فإن إعادة تصميم الاقتصاد يجب أن تقوم على بناء روابط قوية بين الإنتاج والتمويل والطاقة والنقل والتصنيع والتجارة الخارجية.
وهذا ينطبق بصورة واضحة على قطاع الثروة الحيوانية. فالتعامل معها باعتبارها مصدر للنقد الأجنبي وذلك بتصدير الماشية الحية يحرم السودان من جزء كبير من القيمة الممكنة، أما تطوير صناعة متكاملة للحوم والألبان والجلود والأعلاف والخدمات البيطرية والتصنيع الغذائي فإنه يحول الثروة الحيوانية من مورد خام إلى قطاع اقتصادي واسع قادر على إضافة قيمة مضافة وفرص عمل وصادرات مستدامة.
و بالنسبة للمعدن النفيس الذهب فهو يقدم مثال حي آخر على ضرورة إعادة التفكير في إدارة الموارد، فالمسألة ماهي فقط مقدار الذهب الذي ينتجه السودان وإنما مقدار القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني ومقدار ما يتحول إلى نقد أجنبي رسمي وإيرادات عامة واستثمارات جديدة.
إن إدارة الموارد الطبيعية يجب أن تنتقل من مفهوم التحصيل المباشر للعائد إلى مفهوم إدارة سلسلة القيمة بأكملها بحيث يصبح المورد جزء من دورة اقتصادية متكاملة، لا باعتباره نشاط منفصل عن بقية الاقتصاد.
واما في الجانب النقدي لا يمكن معالجة أزمة الجنيه السوداني باعتبارها مشكلة نقدية فقط فاستقرار العملة مرتبط في جوهره بقدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات وتوليد النقد الأجنبي ، بمعنى عندما تكون الصادرات ضعيفة والإنتاج محدود والاستثمارات متراجعة و الاحتياطيات شحيحة فإن الضغط على العملة يصبح نتيجة طبيعية، ولذلك فإن استقرار سعر الصرف لا يمكن أن يعتمد إلى الأبد على الإجراءات الإدارية أو التدخلات قصيرة الأجل وإنما يحتاج إلى اقتصاد ينتج ويصدر ويجذب الاستثمار ويولد موارد مستدامة من النقد الأجنبي، و بالمعنى نفسه فإن أزمة الإيرادات العامة لا يمكن حلها فقط بزيادة الضرائب والرسوم فالمالية العامة تحتاج إلى اقتصاد واسع ومنتج حتى تستطيع الدولة تحصيل إيرادات مستدامة وتتوسع في المشروعات التنموية و الخدمات.
إن فرض أعباء إضافية على اقتصاد ضعيف قد يؤدي في بعض الحالات إلى نتيجة عكسية إذ قد ترتفع تكلفة الإنتاج، وتتراجع الاستثمارات وتتوسع الأنشطة غير الرسمية و ينكمش الوعاء الضريبي، لذلك ينبغي أن يكون الهدف هو توسيع الاقتصاد الرسمي وليس زيادة العبء عليه.
الدولة تحتاج إلى إصلاح الإدارة الضريبية وتطوير التحصيل الرقمي وتقليل التهرب و إدخال الأنشطة غير الرسمية تدريجيا إلى الاقتصاد الرسمي، وإعادة النظر في إدارة المؤسسات والأصول العامة وتعظيم العائد الاقتصادي من الموارد الطبيعية ولكن كل ذلك يجب أن يسير بالتوازي مع سياسة واضحة لزيادة الإنتاج.
و من رأينا و اعتقادنا فإن أفضل وسيلة لزيادة الإيرادات العامة على المدى الطويل ليست زيادة الضرائب على اقتصاد منكمش و إنما توسيع الاقتصاد الذي تفرض عليه الضرائب، ومن القضايا التي يجب أن تحظى بأولوية خاصة إعادة بناء النظام المصرفي فالاقتصاد المنتج يحتاج إلى جهاز مالي لا يكتفي بإدارة السيولة فقط و إنما يمول النشاط الاقتصادي الحقيقي.
فالمزارع يحتاج إلى التمويل قبل الموسم والمصنع يحتاج إلى تمويل رأس المال العامل والمعدات والمصدر يحتاج إلى تمويل التجارة والمشروعات الصغيرة تحتاج إلى أدوات تمويل تتناسب مع طبيعة نشاطها، لذلك فإن إصلاح القطاع المصرفي يجب أن يتجاوز معالجة مشكلاته الداخلية إلى إعادة تعريف دوره في الاقتصاد. المطلوب هو تحويل التمويل من أداة قصيرة الأجل لحماية السيولة إلى أداة لتكوين رأس المال وتمويل الإنتاج والاستثمار.
ولا يمكن الحديث عن اقتصاد إنتاجي دون الحديث عن الطاقة،
فالكهرباء ليست خدمة اجتماعية فقط، فهي عنصر من عناصر القدرة التنافسية للاقتصاد، فارتفاع تكلفة الطاقة أو عدم استقرارها يرفع تكلفة الإنتاج ويؤثر على الصناعة والزراعة والتخزين والخدمات وسلاسل التبريد، ولهذا يجب أن ينظر إلى الطاقة باعتبارها جزء من السياسة الصناعية والزراعية والتجارية. فالمطلوب ليس توفر الكهرباء انما المطلوب توفيرها بطريقة تجعل النشاط الاقتصادي قادر على المنافسة، وينطبق الأمر ذاته على الطرق والموانئ والنقل واللوجستيات فالبنية التحتية لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الإنفاق عليها وإنما بقدرتها على خفض تكلفة الإنتاج والتجارة وفتح الأسواق، فالطريق الذي يصل منطقة إنتاجية بالميناء قد تكون قيمته الاقتصادية أكبر من كثير من المشروعات الإنشائية التي لا ترتبط بنشاط منتج والميناء لا ينبغي النظر إليه باعتباره منفذ تجاري فقط إنما باعتباره جزء من منظومة التصدير والاستثمار وسلاسل الإمداد الكبيرة .
وهنا تصبح إعادة الإعمار فرصة تاريخية لإعادة تصميم الاقتصاد.
إذا كانت هناك منشآت إنتاجية قديمة فلا ينبغي أن تكون الأولوية لإعادتها بالشكل نفسه انما لإعادة بنائها وفق تقنيات أكثر كفاءة. وإذا كانت هناك شبكة كهرباء تحتاج إلى إعادة تأهيل فيجب أن تكون عملية إعادة البناء فرصة لإدخال مصادر طاقة أكثر تنوع وكفاءة. وإذا كانت هناك طرق وممرات تجارية فينبغي إعادة تصميمها لخدمة مناطق الإنتاج ومراكز التصنيع والتصدير.
بهذا المعنى تصبح إعادة الإعمار مشروع اقتصادي، ليست مشروع هندسي.
وهنا أيضا ينبغي إعادة تعريف دور الدولة:
السودان لا يحتاج إلى دولة تدير كل النشاط الاقتصادي كما أنه لا يحتاج إلى دولة تنسحب من الاقتصاد وتترك السوق بمفرده. المطلوب دولة قوية في وظائفها الأساسية قادرة على وضع القواعد وحماية المنافسة وضمان العقود وتوفير البنية الأساسية وإدارة الموارد العامة بكفاءة وفي الوقت نفسه تترك للقطاع الخاص مساحة واسعة للاستثمار والإنتاج والابتكار.
فالقطاع الخاص لا يستطيع وحده أن يقود الإنتاج في بيئة تتغير فيها القواعد باستمرار، أو ترتفع فيها تكلفة التمويل أو تتعدد فيها الرسوم والإجراءات أو تغيب فيها المعلومات الاقتصادية.
ومن هنا فإن تحسين بيئة الأعمال لا تعتبر إجراء إداري ثانوي فهي جزء أساسي من استراتيجية التحول الاقتصادي.
كما أن القطاع الخاص نفسه يحتاج إلى تغيير في اتجاهاته فقد فرضت ظروف طويلة من عدم الاستقرار نمط اقتصادي يميل إلى التجارة والاستيراد والوساطة والأنشطة قصيرة الأجل. لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رأس مال يتجه بصورة أكبر إلى الإنتاج والتصنيع والتصدير.
وهذا التحول لن يحدث بالأمنيات و إنما بتغيير الحوافز الاقتصادية فإذا كان استيراد المنتج النهائي أكثر ربحية وأقل مخاطرة من إنتاجه محليا فسوف يستمر رأس المال في الاتجاه إلى الاستيراد. أما إذا أصبحت البيئة الاقتصادية تكافئ الإنتاج والقيمة المضافة والتصدير فسوف يتغير سلوك الاستثمار بصورة طبيعية.
وهذا هو جوهر السياسة الاقتصادية الذكية التي نصبوا إليها أن تجعل السلوك الذي يحتاجه الاقتصاد هو السلوك الأكثر جدوى للمستثمر.
وفي هذا السياق يمكن للاقتصاد الرقمي أن يوفر للسودان فرصة لتجاوز بعض الاختلالات القديمة. فالرقمنة يمكن أن تساعد في تطوير الضرائب والجمارك والتجارة و المدفوعات والخدمات المصرفية وتوفر بيانات أفضل عن النشاط الاقتصادي وتقلل تكلفة المعاملات وتحد من التسرب والاقتصاد غير الرسمي، ولكن التكنولوجيا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها أداة لرفع الإنتاجية وتحسين كفاءة الدولة والسوق، فإن إعادة تصميم الاقتصاد السوداني لا تعني اختيار قطاع واحد ليكون قاطرة التنمية بل بناء منظومة اقتصادية مترابطة و متناسقة يكون فيها كل قطاع داعم للآخر، فالزراعة توفر المواد الخام والصناعة تضيف القيمة والطاقة تخفض تكلفة الإنتاج والتمويل يحرك الاستثمار والنقل يربط مناطق الإنتاج بالأسواق والموانئ تفتح باب التصدير والدولة توفر البيئة التنظيمية والقطاع الخاص يدير رأس المال والإنتاج، وعندما تعمل هذه المنظومة بصورة متكاملة يبدأ الاقتصاد في إنتاج القيمة بدلا من تداولها.
وهنا يمكن أن يبدأ السودان في الانتقال الحقيقي من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الإنتاج.
فالهدف الرئيس أن تصبح المصانع أكثر إنتاجا والمزارع أكثر إنتاجية والصادرات أكثر تنوعا والقطاع الخاص أكثر استثمارا والمصارف أكثر ارتباطا بالإنتاج والدولة أكثر قدرة على تمويل نفسها من اقتصاد حقيقي.فإن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الاقتصاد الذي كان قائماً قبل الحرب بكل اختلالاته انما يحتاج إلى استخدام مرحلة إعادة الإعمار لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر قدرة على الصمود وأكثر اعتمادا على الإنتاج وأكثر ارتباطا بالأسواق الخارجية وأكثر قدرة على تحويل الموارد إلى قيمة.
المعركة الاقتصادية الحقيقية ليست في معالجة التضخم وحده ولا في تثبيت سعر الصرف وحده ولا في زيادة الإيرادات وحدها، فهذه كلها نتائج لمشكلة أعمق تتعلق بضعف القدرة الإنتاجية و الاختلال في هيكل الاقتصاد.
ولهذا فإن الطريق إلى استقرار العملة يمر عبر زيادة الإنتاج والصادرات والطريق إلى زيادة الإيرادات يمر عبر توسيع الاقتصاد الرسمي والطريق إلى خفض الأسعار يمر عبر زيادة المعروض وتقليل تكاليف الإنتاج والطريق إلى جذب الاستثمار يمر عبر بيئة مستقرة وقواعد واضحة والطريق إلى إعادة بناء الدولة يمر عبر اقتصاد قادر على تمويلها.
المطلوب اقتصاد سوداني تكون فيه الإنتاجية هي نقطة البداية والقيمة المضافة هي معيار الاستثمار والتصدير هو أحد محركات النمو والقطاع الخاص شريكا في التنمية، والدولة مشرعا و منظما ومحفزا وحامية للمصلحة الاقتصادية الوطنية، عندها فقط يمكن أن يتحول ما نراه اليوم باعتباره أزمة إلى فرصة لإعادة تأسيس الاقتصاد السوداني على قواعد أكثر صلابة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.