المغتربون.. قوة السودان التي عبرت الحدود ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
المغتربون.. قوة السودان التي عبرت الحدود
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

السودان ليس وطنا يبحث عن تعريف لنفسه، ولا دولة تحتاج إلى من يخبرها بقيمتها.
هذا بلد يعرفه التاريخ، وتعرفه الجغرافيا، وتعرفه موارده، ويعرف العالم رجالا ونساء خرجوا منه فنجحوا وتميزوا في ميادين الاقتصاد والطب والقانون والهندسة والإدارة والأكاديميا والعمل الدولي.
ولهذا فإن الحديث عن السودانيين في الخارج يجب ألا يبدأ من باب الحاجة إليهم، بل من باب معرفة الدولة بما تملكه من قوة بشرية واسعة، تجاوز تأثيرها الحدود، وأصبحت حاضرة في عواصم وأسواق ومؤسسات كبرى حول العالم.
الدول الذكية لا تنظر إلى مواطنيها في الخارج باعتبارهم مجرد مغتربين يرسلون التحويلات، بل تراهم امتدادا لرأسمالها البشري، وجسورا إلى الأسواق، ومصادر للمعرفة، وشبكات للعلاقات والثقة والتأثير.
والسودان يملك هذا الرصيد.
لدينا رجال أعمال بنوا علاقات واسعة، وخبراء يعملون في مؤسسات دولية، وأكاديميون في جامعات معتبرة، ومديرو شركات ومستشارون وقانونيون وأطباء ومهندسون اكتسبوا خبرات تراكمت عبر عقود.
السؤال ليس: أين هؤلاء؟
بل: كيف نحول نجاحهم الفردي إلى قوة وطنية منظمة؟
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة.
لا نحتاج إلى علاقات شخصية عابرة، ولا إلى أدوار موازية لمؤسسات الدولة، وإنما إلى منظومة مؤسسية تجعل خبرات السودانيين في الخارج جزءا من استراتيجية اقتصادية ودبلوماسية واضحة.
وفي مقدمة ذلك يأتي تفعيل الملحقيات الاقتصادية والتجارية في السفارات السودانية.
فالملحق الاقتصادي في عصر التنافس الدولي لا ينبغي أن يكون موظفا ينتظر المخاطبات.
إنه عين الدولة على السوق.
يعرف حركة رؤوس الأموال، ويتابع الصناديق الاستثمارية، ويرصد الشركات الكبرى، ويفتح القنوات مع الغرف التجارية، ويقدم فرص السودان بلغة يفهمها المستثمر.
ومن هنا ينبغي أن نقيس أداء الملحقيات بالنتائج، لا بعدد الاجتماعات.
كم مستثمرا جرى التواصل معه؟
كم شركة تعرفت على فرص السودان؟
كم سوقا جديدا فتح أمام صادراته؟
وكم مشروع استثماري أو تمويلي انتقل من الفكرة إلى التنفيذ؟
هذه هي الدبلوماسية الاقتصادية الحقيقية.
ولا معنى لوجود رجال أعمال سودانيين ذوي علاقات واسعة في دولة ما، بينما تعمل السفارة بعيدا عنهم.
ولا معنى لوجود خبير سوداني مؤثر في مؤسسة دولية، بينما لا توجد قناة مؤسسية تربطه باحتياجات وطنه.
لذلك يحتاج السودان إلى شبكة وطنية للكفاءات والعلاقات السودانية في الخارج، تعمل في إطار رسمي، وتبنى على الكفاءة والنزاهة والخبرة، لا على الانتماءات السياسية أو الاجتماعية.
شبكة تعرف أين توجد الكفاءات، وماذا تعمل، وما خبراتها، وكيف يمكن الاستفادة منها في الاستثمار وإعادة الإعمار ونقل المعرفة وفتح الأسواق.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل اقتصادي جديد.
إعادة الإعمار ليست إسمنتا وحديدا فقط، وإنما ثقة وتمويل وتكنولوجيا وأسواق وشراكات طويلة المدى.
وسيحتاج السودان إلى الاستثمار في الطاقة والزراعة والتعدين والاتصالات والنقل والصناعة والبنية التحتية والإسكان.
لكننا يجب ألا نقدم السودان للعالم باعتباره بلدا ينتظر المساعدة.
السودان يعرض فرصة.
لدينا أرض واسعة.
ولدينا مياه.
ولدينا ثروة حيوانية.
ولدينا معادن.
ولدينا موقع جغرافي بالغ الأهمية.
ولدينا شعب اكتسب خبرات دولية واسعة.
المشكلة ليست في غياب الموارد، بل في القدرة على جمعها وتوجيهها وصناعة منظومة قادرة على تحويلها إلى نفوذ اقتصادي ومصلحة وطنية.
ولهذا يجب أن تصبح كل سفارة نافذة للمصلحة، وكل ملحقية اقتصادية منصة للاستثمار، وكل سوداني ناجح في الخارج فرصة يمكن للدولة أن تستفيد منها ضمن إطار مؤسسي واضح.
فالقيادة الرشيدة لا تحتكر المعرفة، بل تجمعها.
والدولة القوية لا تخشى نجاح أبنائها، بل تحوله إلى قوة لها.
والدبلوماسية الذكية لا تنتظر أن تطرق الفرص أبوابها، بل تذهب إليها.
السودان لا يبدأ من الصفر.
ما نحتاجه هو أن نجمع قوة السودان المبعثرة في الداخل والخارج، ونضعها خلف مشروع وطني واحد.
وحين يعرف السودان قدر ما يملك، ويحسن تنظيم موارده وكفاءاته وعلاقاته، سيعرف العالم كيف يتعامل معه.
