البعد_الاخر مصعب بريــر الدولار لا يُهزَم بالسلاح: كيف تقتل اللجان ما تبقى من الجنيه؟
البعد_الاخر
مصعب بريــر
الدولار لا يُهزَم بالسلاح: كيف تقتل اللجان ما تبقى من الجنيه؟
في سوق أم درمان، تجلس ست الشاي على بنبرها المعتاد، تضع قطعة السكر في الفنجان، وتحسب ثمنها في سرّها مرتين قبل أن تنطق به للزبون. هي لا تقرأ نشرات بنك السودان، ولا تعرف كم بلغ سعر الدولار اليوم في السوق الموازي، لكنها تعرف بالحدس المُر أن القيمة التي رحلت من “القرش” لم تعد، وأن القماش الذي كان يستر العيش يتآكل كل صباح. هنا تمامًا، في هذه التفاصيل الصغيرة والمنسية، تبدأ الحكاية التي نتفاداها جميعًا: لماذا ننتبه دومًا بعد أن تسقط الفأس في الرأس؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد تراجع عادي لعملة الوطنية وصلت إلى حدود أرقام قياسية مرعبة تجاوزت 6600 جنيه للدولار، بل هو الانعكاس الطبيعي لجرح غائر لم نجرؤ على تنظيفه منذ عقود. القرار الأخير لتشكيل “خلية أزمات” برئاسة وزير المالية لمواجهة انخفاض الجنيه، أو اللجنة الأخرى برئاسة وزير الدفاع لملاحقة المضاربات والتهريب، ليس سوى صرخة إطفائي أتاك بعد أن التهم الحريق نصف البيت. نحن لا نتحدث عن أزمة طارئة ولدتها الحرب البارحة، بل عن اقتصاد كان يمشي على عكازين مكسورين، ثم جاءت هذه الحرب الوجودية لتكسر العكازين وتسقط السقف على الجميع.
السبب الظاهر الذي يراه المواطن والمحلل اليوم، هو أن الحرب دمرت البنية التحتية، وأوقفت المصانع، وشردت المزارعين في الجزيرة ودارفور، وجففت حصائل الصادرات. النتيجة المباشرة بالطبع كانت اندفاع الجميع نحو العملة الأجنبية كملاذ آمن، وشح المعروض، وارتفاع السلع لمستويات تعجز معها الأسر عن جلب قوت يومها. لكن ما لا يُرى تحت هذا السطح الملتهب، هو أن المشكلة أعمق بكثير من بندقية تُطلق أو مسيرة تحلق؛ إنها تكمن في عقود من “التسكين المؤقت” والسياسة الاقتصادية التي تشبه ترقيع ثوب مهترئ. لقد أهملنا الإنتاج الحقيقي في مجالات الزراعة والتعدين والتصنيع لسنوات طويلة، واعتمدنا على الاستيراد والحلول السريعة، حتى أصبحت الدولة تعتمد على “المسكنات الأمنية” كلما ضاقت بها السبل، وتنسى أن الاقتصاد لا يعترف بالسلاح بل بلغة الأرقام والإنتاج.
هذا يشبه تمامًا السائق الذي يشتكي كل يوم من تعطل سيارته وتآكل إطاراتها، ويكرر أخذها للميكانيكي ليرقعها، بدل أن يقف لحظة ويسأل نفسه: لماذا أسير في طريق ملئ بالحفر والمسامير من الأساس؟ يرغب الكثيرون في إلقاء الملامة كاملة على كاهل التجار والمضاربين في سوق العملة، ويعتبرونهم أصل البلاء، ولا شك أن هناك تجار أزمات ومهرّبين يستحقون أشد العقوبات، ولكن أليست الحكومة التي تترك منافذ التهريب مشرعة وتفرض قيودًا خبالية على الصادرات هي التي خلقت البيئة الخصبة لهؤلاء؟ الاقتصاد علم له قواعده الجافة؛ عندما تشح السلعة ويزيد الطلب يرتفع سعرها، سواء كان هذا السلعة سكرًا في الدكان، أو دولارًا في الشارع.
الواقع يخبرنا أن البلدان التي مرت بأزمات وحروب وجودية طاحنة — من ألمانيـا بعد الحرب العالمية، إلى رواندا وأثيوبيا في تاريخنا القريب — لم تخرج من نفق الانهيار بإنشاء اللجان الأمنية أو ملاحقة المتعاملين في الأزقة. المخرج الوحيد الذي عرفته البشرية كان عبر الاستثمار في “الإنتاج” واستعادة ثقة المنتج والمصدر. السياسة الاقتصادية الناجحة في زمن الحرب لا تعني الملاحقة الشاملة، بل تعني تهيئة البيئة لمن يزرع ومن ينتج؛ تتطلب إلغاء كافة القيود العقيمة على الصادرات، وإحكام سيطرة البنك المركزي الحقيقية والجاذبة على إنتاج الذهب وتصديره بأسعار مجزية تمنع التهريب تلقائيًا، إلى جانب أن تتولى الدولة بمسؤولية حاسمة استيراد السلع الاستراتيجية كالمشتقات البترولية والقمح عبر اتفاقيات طويلة الأجل، بدلاً من ترك السوق نهبًا للفوضى والاستثناءات التي لا يستفيد منها إلا المفسدون.
وهكذا، نصل إلى الحقيقة المنطقية التي تتجمع عندها كل الخيوط: السياسات الأمنية قد تضبط مهربًا أو تفكك شبكة مضاربة صغرى، لكنها لن تخلق دولارًا واحدًا في خزانة البنك المركزي. الأمن يحمي الاقتصاد، لكنه لا يصنعه، وما لم تتحول بوصلة الحكومة بالكامل من إدارة “الأزمة الأمنية” إلى “صناعة الإنتاج”، سنظل نعيش في دورة فرار لا تنتهي، نلاحق فيها نتائج الانهيار بدل أن نقتلع أسبابه.
بعد اخير:
خلاصة القول، نحن لا نخسر معركتنا الاقتصادية لأننا نجهل الحلول، بل لأننا نصر على تجربتها بالترتيب الخاطئ. نركض خلف الأعراض بضمادات أمنية مؤقتة، بينما الجسد ينزف من شريانه الرئيسي، منتظرين أن يستقر الاقتصاد بأمر إداري أو قرار رسمي.
أخيرًا، إن الجنيه الذي يسقط اليوم في أسواق الخرطوم والولايات ليس مجرد ورقة مالية تفقد قيمتها؛ إنه يمثل ما تبقى من كرامة المائدة السودانية وصبر هذا الشعب. وعندما نعامل الأزمة الاقتصادية كملف أمني يُدار باللجان، فأننا لا نحل المشكلة، بل نشتري الوقت فقط.. والوقت في المدى القريب، هو السلعة الوحيدة التي لم نعد نملك ثمنها.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
