ضابط الشرطة في المعاش. خبرة دولة على طاولة الحوار السوداني ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
ضابط الشرطة في المعاش.
خبرة دولة على طاولة الحوار السوداني
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

السيد البروفيسور قاسم بدري
رئيس لجنة تهيئة الحوار السوداني – السوداني
الأستاذ عثمان ميرغني
الناطق الرسمي باسم اللجنة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وأنتم تضطلعون بمسؤولية تهيئة الحوار السوداني – السوداني في واحدة من أدق مراحل تاريخ بلادنا، أضع أمامكم رؤية أعتقد أنها تستحق النظر، ليس من باب المطالبة الفئوية، ولا طلبا لمقاعد أو محاصصة، وإنما من باب الحرص على ألا يهدر السودان خبرة وطنية تراكمت لعقود داخل واحدة من أكثر مؤسسات الدولة اتصالا بالمجتمع: خبرة ضابط الشرطة في المعاش.
ومن المهم ابتداء أن نفرق بين ضابط الشرطة الذي لا يزال على رأس العمل، وهو جزء من مؤسسة رسمية تحكمه القوانين واللوائح والانضباط المهني وواجبات الحياد، وبين ضابط انتهت خدمته النظامية وغادر موقعه الوظيفي، لكنه لم يغادر دائرة الخبرة والمعرفة وخدمة الوطن.
فالخدمة تنتهي، لكن الرسالة لا تنتهي.
وضابط الشرطة في المعاش، في أفضل نماذجه، ليس مجرد صاحب رتبة سابقة، وإنما هو حصيلة سنوات طويلة من العلم والتجربة والمعرفة بالدولة والمجتمع والإنسان.
لقد درس القانون والإدارة والقيادة والتحقيق والأمن وعلم الجريمة وإدارة الأزمات، ثم جاءت سنوات الخدمة لتمنحه علما لا توفره الكتب وحدها: معرفة المجتمع من داخله.
عرف المواطن في ساعات الخوف والغضب والخصومة.
عرف الشاكي والمشكو منه، والضحية والمتهم.
عرف المدينة والريف، والأسواق والأحياء والقرى، وشاهد كيف تبدأ النزاعات من تفاصيل صغيرة، وكيف يمكن لسوء التقدير أن يحولها إلى أزمات، وكيف تستطيع الحكمة والعدالة وحسن الإدارة أن تمنع انفجارها.
لهذا أرى أن ضابط الشرطة في المعاش يمكن أن يمثل، في أفضل حالاته، موسوعة علمية ومهنية وإنسانية متحركة.
لقد تعلم أن يستمع قبل أن يحكم، وأن يتحقق قبل أن يتهم، وأن يفرق بين الشبهة والدليل، وبين الرواية والحقيقة، وبين الانفعال والواقعة.
وهذه ليست أدوات شرطية فحسب؛ إنها بعض أهم أدوات الحوار الناجح.
فالتحقيق حوار.
والصلح حوار.
والوساطة حوار.
واحتواء النزاع حوار.
وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة هي أيضا واحدة من أعمق صور الحوار.
السيد البروفيسور قاسم بدري، والأستاذ عثمان ميرغني،
إن الدعوة للاستفادة من ضابط الشرطة في المعاش لا تعني بأي حال إدخال مؤسسة الشرطة في العمل السياسي. فالضابط الذي لا يزال على رأس العمل يجب أن تبقى مؤسسته محفوظة الحياد والهيبة والمهنية، بعيدا عن الاستقطاب الحزبي.
أما ضابط الشرطة في المعاش، فقد انتهت سلطته الوظيفية، وأصبح مواطنا يحمل رصيدا معرفيا ومهنيا يمكن أن يعود بالنفع على وطنه.
وبعبارة واضحة:
الضابط على رأس العمل يحافظ على حياد المؤسسة، أما ضابط الشرطة في المعاش فيستطيع أن يضع خبرته في خدمة المجتمع والوطن.
فالسياسي يدخل الحوار بخبرته السياسية.
والأكاديمي يدخل بعلمه ونظرياته.
والاقتصادي يأتي برؤيته للاقتصاد.
والقانوني يأتي بخبرته في التشريع والحقوق.
والقيادي المجتمعي يحمل معه معرفته بالناس.
ومن الطبيعي أن يجد ضابط الشرطة في المعاش مساحة يقدم من خلالها خبرته في القانون، والأمن المجتمعي، وإدارة النزاعات، ومعرفة مؤسسات الدولة.
إنه يحمل ثلاث دوائر مهمة من المعرفة:
معرفة الدولة من الداخل، ومعرفة المجتمع من القاعدة، ومعرفة النزاع عند لحظة بدايته وتصاعده.
وهذه ثلاثية نادرة يحتاج إليها حوار يريد معالجة جذور الأزمة السودانية، لا الاكتفاء بمظاهرها السياسية.
لقد عرف رجل الشرطة السودان من خلال الناس قبل أن يعرفه من خلال الخرائط.
عرف التنوع القبلي والثقافي والاجتماعي.
وعرف أن إدارة التنوع ليست شعارا يكتب في وثيقة، وإنما عدالة في التعامل، واحترام للحقوق، وقدرة على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى خصومة أو صراع.
وعرف أن كلمة غير محسوبة قد تشعل نزاعا، وأن كلمة حكيمة قد تمنعه.
وعرف أن الشعور بالظلم يصنع الغضب، وأن العدالة ليست ترفا قانونيا، وإنما أحد أهم شروط الأمن والاستقرار.
ومن هنا أضع أمام لجنتكم الموقرة سؤالا أراه جديرا بالتأمل:
هل يستطيع حوار وطني يسعى إلى إعادة بناء السودان أن يستغني عن خبرة رجال أمضوا عقودا في قلب الدولة والمجتمع؟
وفي تقديري، يمكن الاستفادة من ضباط الشرطة في المعاش بصورة خاصة في ملفات سيادة القانون، والمصالحة المجتمعية، وإدارة النزاعات، والعدالة الانتقالية، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، ومناقشة مفهوم الأمن في الدولة المدنية الحديثة.
فالأمن لا تصنعه القوة وحدها.
والقانون بلا عدالة يفقد معناه.
والسلطة حين تنفصل عن المسؤولية تصبح عبئا على الدولة.
والثقة حين تضيع بين المواطن ومؤسسات الحكم تصبح استعادتها واحدة من أصعب معارك بناء الدولة.
ولهذا فإن خبرة رجل الشرطة السابق ليست ترفا على طاولة الحوار، بل يمكن أن تكون مصدرا مهما لفهم بعض أعمق مشكلات الدولة السودانية.
السيد البروفيسور قاسم بدري،
وأنتم تقودون تهيئة هذا الحوار، فإن الأمل أن يتسع مفهوم المشاركة ليشمل أصحاب الخبرات الوطنية خارج الدوائر السياسية التقليدية، وأن يكون معيار الحضور هو القدرة على الإضافة، لا مجرد الانتماء التنظيمي.
والأستاذ عثمان ميرغني،
وأنتم تحملون صوت اللجنة إلى الرأي العام، فإن من الرسائل المهمة التي يمكن أن يسمعها السودانيون أن الحوار ليس ناديا مغلقا للنخب، وإنما مساحة وطنية تستوعب العلم والخبرة والمجتمع والرأي المستقل.
ومن هذا المنطلق، ألتمس من لجنتكم الموقرة النظر في إمكانية الاستفادة من نماذج مختارة من ضباط الشرطة في المعاش، ممن تتوافر فيهم الكفاءة والنزاهة والخبرة والقبول المجتمعي، على أن تكون مشاركتهم في المسارات التي تتناسب مع معارفهم وتجاربهم.
ليس لأنهم أحق من غيرهم.
ولا لأن رتبة سابقة تمنح صاحبها امتيازا.
ولا لأنهم يمثلون كتلة سياسية جديدة.
بل لأن الحوار الذي يبحث عن حلول حقيقية يجب أن يبحث عن العقول والخبرات قبل أن يبحث عن المقاعد.
وفي المقابل، فإن المسؤولية تقع أيضا على ضابط الشرطة في المعاش نفسه.
فإذا وجد طريقه إلى الحوار، فعليه أن يدخله بعقلية الدولة لا بعقلية الحزب.
وأن يترفع عن الجهوية والاستقطاب والمصالح الشخصية.
وأن يتحرر من مرارات الماضي.
وأن يقدم تجربته باعتبارها جسرا بين المختلفين، لا وقودا لخلاف جديد.
فالذي أمضى حياته في خدمة القانون، ينبغي أن يكون بعد المعاش أكثر الناس دفاعا عن سيادته.
والذي مارس السلطة، ينبغي أن يكون أكثر الناس إدراكا لخطورتها حين تنفصل عن العدالة.
والذي شاهد النزاعات والخصومات والدماء، ينبغي أن يكون من أكثر الناس تمسكا بالحوار وحرمة الدم السوداني.
عندها فقط تصبح خبرة ضابط الشرطة في المعاش قيمة وطنية حقيقية.
فهو لا يدخل الحوار مستندا إلى سلطة انتهت.
ولا يحمل رتبة ليطلب بها مكانا.
ولا يتحدث باسم مؤسسة لم يعد على رأس العمل فيها.
بل يدخل مواطنا يحمل خبرة رجل عرف الدولة والمجتمع والإنسان.
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى من يتحدث أكثر، بل إلى من يفهم أعمق.
ولا يحتاج فقط إلى أصحاب الشعارات، بل إلى أصحاب التجارب.
ولا يحتاج فقط إلى السياسيين، بل إلى القانونيين والأكاديميين والاقتصاديين والشباب والمرأة والقيادات المجتمعية وأصحاب الخبرات المتراكمة داخل مؤسسات الدولة.
ومن بين هؤلاء ضباط الشرطة في المعاش.
لقد أمضى كثير منهم سنوات طويلة يحرسون أمن المجتمع، وربما يكون قدر بعضهم اليوم أن يؤدي دورا آخر أكثر هدوءا، لكنه أعمق أثرا:
أن يسهم في حراسة عقل الوطن من الانقسام.
فالرتبة تنتهي.
والوظيفة تنتهي.
والمكتب يغلق.
لكن الخبرة تبقى.
والحكمة لا تتقاعد.
ولهذا أضع هذه الرؤية أمام لجنة تهيئة الحوار السوداني – السوداني بكل احترام، آملا أن تجد ما تستحقه من نظر، وأن يبقى الحوار مفتوحا أمام كل خبرة وطنية صادقة تستطيع أن تضيف لبنة في مشروع السلام وإعادة بناء الدولة.
فالأوطان لا تستغني عن خبرة رجالها عندما تنتهي وظائفهم، بل قد تكون أحوج ما تكون إليهم عندما تبدأ معركة بناء الدولة من جديد.
