زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة البرهان الذي تنكر لخوة الكاكي وغازل الساسة
زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
البرهان الذي تنكر لخوة الكاكي وغازل الساسة
في حديثه الأخير مع الصحفيين من داخل القيادة العامة ، بدا الفريق أول عبد الفتاح البرهان وكأنه يستدعي الماضي القريب ليضع عليه وحده أوزار الحاضر ، تحدث عن الإنقاذ والرئيس السابق عمر البشير وعلاقته بالدعم السريع ، وطرح رواية تجعل أصل الأزمة في عهد مضى ، وكأن السودان لم يعش فصولاً أخرى بعد سقوط الإنقاذ ، وللإنصاف لا يمكن إعفاء الإنقاذ من مسؤوليتها التاريخية في إنشاء الدعم السريع وتقنين وجوده ، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الحقيقة إلى وسيلة لإعفاء من جاء بعدها من المسؤولية ،
فالبشير الذي يتحدث عنه البرهان اليوم لم يكن خصماً بعيداً أو شخصية عادية في تاريخ البرهان ، كان قائده الأعلى ، وعمل البرهان داخل المؤسسة العسكرية في عهده ، ولذلك تبدو محاولة التنصل الكامل من تلك المرحلة كأنها تنكر “لخوة الكاكي” التي جمعت الرجلين ، قبل أن يصبح البشير عنواناً مناسباً لتحميله كل أخطاء الماضي.
الأهم أن قصة الدعم السريع لم تتوقف بسقوط البشير ، فالبرهان كان شريكاً رئيسياً في إدارة المرحلة الانتقالية ، وقائد الدعم السريع كان شريكاً في قمة هرم السلطة ، فيما دخلت قوى الحرية والتغيير في شراكة سياسية مع المكون العسكري ، وفي تلك المرحلة تمددت قوة الدعم السريع سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ، وبلغ نفوذها حضوراً لم يكن ممكناً تجاهله ، فمن الذي سمح لهذه القوة أن تكبر بعد سقوط النظام الذي أنشأها؟ ، ومن الذي جلس معها على طاولة الحكم؟ ، ومن الذي منحها بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، مساحة إضافية للتمدد؟ ، هذه أسئلة لا تجيب عنها رواية تلقي المسؤولية كلها على البشير والإنقاذ ، بل كان يحب على البرهان ان يعترف بمسؤليته الشخصية كقائد للجيش عما وصلت اليه المليشيا بعد سقوط الإنقاذ.
فالشعب السوداني لم يكن بعيداً عن المشهد ، ولم يقرأ التاريخ من الكتب فقط ، لقد كان شاهداً على الحقبتين ، رأى الدعم السريع في عهد البشير ، ثم رأى كيف أصبح بعد سقوطه شريكاً في السلطة وأكثر حضوراً وتأثيراً ، أما ما طرحه البرهان من روايات عن نوايا البشير تجاه الدعم السريع أو طلب تسليحه من الخارج ، فهي روايات سياسية تحتاج إلى وثائق وأدلة ، ولا ينبغي أن تتحول بمجرد ورودها في حديث إلى حقائق نهائية.
الإنقاذ تتحمل مسؤوليتها ، ومن حكموا بعدها يتحملون مسؤوليتهم ، والبرهان نفسه لا يستطيع أن يفصل تاريخه السياسي والعسكري عن هذه القصة ، فالتاريخ لا يُكتب بمنطق هم صنعوا القوة ونحن واجهناها ، فالذي يريد محاسبة الماضي ، عليه أن يكون مستعداً أيضاً لمراجعة سنوات ما بعد الماضي… لنا عودة.
