منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

الحوار السوداني السوداني.. فريضة الإصلاح وميثاق بناء الدولة ================ ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

0

الحوار السوداني السوداني.. فريضة الإصلاح وميثاق بناء الدولة
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

قال الله تعالى: «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم»، وقال سبحانه: «وأمرهم شورى بينهم».
بهاتين الآيتين تتأسس الرؤية الشرعية للحوار: إصلاح يجمع القلوب، وشورى تمنع الاستبداد، وعدل يحفظ الحقوق، وحكمة تقدم مصلحة الوطن على أهواء الأفراد والجماعات. فالحوار في ميزان الشريعة منهج لتحقيق الإصلاح، وحقن الدماء، وجمع الكلمة، ودفع الفتنة، وبناء التوافق على ما يحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض.
ومن هذا المنطلق، يصبح الحوار السوداني السوداني واجبا وطنيا تؤيده مقاصد الشرع؛ لأن حماية الإنسان وصيانة كرامته واستعادة الأمن ووحدة الدولة لا تتحقق في واقعنا إلا بإيقاف الحرب، ومعالجة أسبابها، وجمع الصف الوطني على كلمة سواء. والقاعدة الشرعية تقرر أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقد حذر الله من عاقبة التنازع فقال: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم». وأثبتت التجربة السودانية أن تعدد الإرادات المسلحة، واستبدال الحوار بالبندقية، لا يقيمان دولة، بل يبددان الأمن، ويمزقان النسيج الاجتماعي، ويفتحان أبواب التدخل الخارجي.
وتقدم لنا السيرة النبوية منهجا متكاملا للحوار وبناء الدولة. فعندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وضع وثيقة نظمت العلاقة بين مكونات المجتمع، وحددت الحقوق والواجبات والمسؤولية المشتركة عن حماية الدولة. وفي صلح الحديبية قدم حقن الدماء ومصلحة الأمة، ونظر إلى مآلات القرارات، فكان ما ظنه بعض الناس تنازلا فتحا مبينا.
كما مارس النبي صلى الله عليه وسلم الشورى عملا لا شعارا؛ فقبل الرأي الأصوب في بدر، واستشار أصحابه في أحد، وأخذ برأي سلمان الفارسي في الخندق، وانتفع بمشورة أم سلمة رضي الله عنها يوم الحديبية. وبذلك يعلمنا أن الحكمة لا ترتبط بعمر أو جنس أو قبيلة، وأن الرأي الصائب يقبل ممن جاء به.
ولهذا، لا ينبغي أن يحتكر الحوار حزب أو نخبة، بل يجب أن يشارك فيه العلماء والمفكرون، والقوى السياسية والمجتمعية، والإدارات الأهلية، والشباب والمرأة، والنازحون واللاجئون، وممثلو الريف والحضر. فمشاركة المرأة ليست حضورا شكليا؛ فقد تحملت أعباء الحرب، وهي شريك أصيل في الإصلاح والمصالحة وإعادة البناء.
وأولى قضايا الحوار حرمة الدم السوداني؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». ثم يأتي توحيد المؤسسة العسكرية؛ إذ لا تستقيم دولة مع تعدد الجيوش ومراكز القرار. فلا بد من جيش وطني واحد، وسلاح واحد، وقرار سيادي واحد، مع معالجة أوضاع التشكيلات المسلحة بالدمج المهني أو التسريح وإعادة التأهيل.
أما العدالة، فهي أساس الحكم، قال تعالى: «اعدلوا هو أقرب للتقوى». ولذلك يجب أن تقوم المصالحة على كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، والمحاسبة الفردية؛ فلا انتقام جماعيا، ولا إدانة لقبيلة أو مجتمع بأكمله، ولا إفلات من المسؤولية.
ولا تكتمل قيمة الحوار إلا بتحويل مخرجاته إلى ميثاق وطني ملزم، وجدول زمني واضح، وآلية مستقلة للمتابعة والمحاسبة.
إن السودان لا يحتاج إلى غالب سياسي جديد، بل إلى دولة تنتصر بالعدل، وتقوى بالشورى، وتتسع بالمواطنة، ويحميها جيش وطني واحد. ومهمتنا ليست أن نتفق على كل شيء، بل أن نتفق على حرمة الوطن والدم، وسيادة القانون، وقواعد الاختلاف السلمي.
وعندها ينتقل السودان من صراع الإرادات إلى فقه الإصلاح، ومن سؤال «من يحكم؟» إلى سؤال «كيف نقيم دولة العدل والشورى التي تحفظ الحقوق وتصون كرامة الجميع؟».

وبالله التوفيق.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.