منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

صرخة الوطن المحبوب.. الرواية التي قرأناها صغارا ويعيشها السودان اليوم ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

0

صرخة الوطن المحبوب.. الرواية التي قرأناها صغارا ويعيشها السودان اليوم
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

في المرحلة الوسطى قرأنا رواية Cry, the Beloved Country للكاتب الجنوب أفريقي آلان باتون، وحفظنا بعض صفحاتها استعدادا لامتحان عابر. يومها أغلقنا الكتاب وسلمنا أوراق الإجابة، ولم نكن نعلم أن السودان سيعيد إلينا الرواية بعد عقود، ولكن في امتحان أشد قسوة؛ أسئلته مكتوبة بالدم، وصفحاته موزعة بين المقابر ومعسكرات النزوح والبيوت التي أطفأت الحرب مصابيحها. لقد قرأنا يومها صرخة وطن بعيد، أما اليوم فنسمع صرخة وطننا المحبوب.
صدرت الرواية عام 1948، حين كانت جنوب أفريقيا تتجه نحو الفصل العنصري. لكنها لم تكن رواية عن صراع السود والبيض وحده، بل سؤالا فلسفيا عميقا: ماذا يحدث عندما يخاف أبناء الوطن بعضهم من بعض، ويصبح الولاء للجماعة أقوى من الانتماء إلى الدولة؟
تحكي الرواية قصة القس الأسود ستيفن كومالو، الذي يغادر قريته بحثا عن ابنه أبسالوم، ثم يكتشف أنه متهم بقتل الشاب الأبيض آرثر جارفيس. وهكذا تضع المأساة أمامنا أبوين مكلومين: أبا فقد ابنه مقتولا، وأبا ينتظر إعدام ابنه المدان. اختلف موقعهما من الجريمة، لكن الحزن جمعهما، وكان الوطن هو الخاسر الأكبر.
وتكمن عبقرية آلان باتون في أنه لم يحبس القارئ داخل رواية طرف واحد. جعلنا نرى المأساة بعيني كومالو، ثم نقلنا إلى عالم جيمس جارفيس، والد الضحية. وهنا تقدم الرواية أهم دروس الحوار: فالحوار الوطني لا يبدأ عندما يتكلم كل طرف، بل عندما يستطيع أن يرى الوطن من مكان الآخر، وأن يسمع ألمه دون أن ينكر ألمه الخاص.
أما بطل الرواية الخفي فهو الخوف: خوف الأبيض من فقدان سلطته، وخوف الأسود من استمرار ظلمه، وخوف الريف من المدينة، وخوف الآباء على أبنائهم. والخوف حين يستقر في المجتمع يجعل الاختلاف تهديدا، والتنازل خيانة، والحوار مؤامرة، والسلاح أقرب إلى اليد من الحكمة.
وهنا تلتقي الرواية مع الحكمة السودانية. فالجودية لا تعني انتصار طرف وإذلال الآخر، بل رد الحقوق وحفظ الكرامة ومنع الخصومة من إحراق الحوش كله. والنفير لا يسأل المنكوب عن قبيلته أو حزبه، وإنما يجمع الناس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة بناء ما تهدم.
لكن الجودية لا تعني دفن الجرائم، والتسامح لا يعني الإفلات من المسؤولية. فلا مصالحة بلا حقيقة، ولا عفو بلا اعتراف، ولا سلام بلا عدالة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول العدالة إلى انتقام من القبائل والمجتمعات؛ فالجريمة مسؤولية مرتكبها، أما معالجة أسبابها فهي مسؤولية وطنية مشتركة.
وتكشف الرواية أن الجريمة قد تنبت في تربة الفقر والتهميش وانهيار الأسرة وضياع الشباب. لذلك لا يكفي أن يصمت السلاح إذا بقيت أسباب الحرب حية. والحوار الذي لا يعيد النازحين، ولا يعمر القرى، ولا يوفر الماء والتعليم والصحة والعمل، سيظل خطبا جميلة فوق وطن جريح.
إن السودان لا يريد حوارا لتقسيم ما تبقى منه، بل نفيرا وطنيا يعيد بناءه؛ حقيقة تكشف الجراح، وعدالة تنصف الضحايا، ومصالحة تعيد المجتمع، ودولة مواطنة يحكمها القانون، وجيشا وطنيا واحدا يحمي الجميع.
لقد قرأنا «صرخة الوطن المحبوب» صغارا بوصفها رواية، أما اليوم فنعيشها بوصفها وطنا ينادينا من بين الدخان والركام. ولم يعد السؤال: لماذا يبكي السودان؟ بل: من يسمع بكاءه؟
فالسودان ليس غنيمة لطرف، ولا سجنا لمخالف، وإنما حوشنا الكبير؛ إذا احترقت إحدى غرفه فلن ينجو أحد من الحريق.
اسمعوا صرخة الوطن المحبوب قبل أن يصبح البكاء على وطن كان.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.