سودانيو الرياض أيتام في عاصمة المليون مغترب ==== بقلم: ناصر الفاتح
سودانيو الرياض أيتام في عاصمة المليون مغترب
بقلم: ناصر الفاتح

لفترة طويلة والرياض تكتظ بعشرات الآلاف من السودانيين بلا راية تجمعهم ولا كيان يمثلهم ولا يدٍ حانية ترعى شؤونهم. فترة طويلة انقضت. والسوداني في عاصمة المملكة أكبر حاضرة للاغتراب السوداني يعيش كالطريد بلا سند بلا ظهر بلا جالية.
لقد أصبحنا أيتاماً في عاصمة المليون مغترب.
صورٌ من التيه…
في المستشفيات: شيخ مسنّ طريح. فراش بارد لا مرافق له ولا سائل عنه. أسابيع وأشهر تمر. وهو بين أجهزة التنفس لا جهة تطرق بابه ولا لجنة تزوره ولا صندوق يستر عجزه. أليس من العار أن يموت السوداني وحيداً في مستشفيات الرياض وأهله لا يعلمون؟
في السجون:
خلف القضبان يقبع المظلومون. موقوفون ببلاغ كيدي أو بمشادة عمالية أو بمخالفة عابرة. يطول توقيفهم فلا مترجم يبين حجتهم ولا محام يرعى قضيتهم ولا جالية تطرق باب القنصلية لأجلهم. يخرج أحدهم بعد حين فإذا بوظيفته قد سُلبت وإقامته قد انتهت وسمعته قد مُست ولا أحد يواسيه.
في سوق العمل:
وهنا الطامة الكبرى. حقوق تُهضم. ورواتبٌ تُحبس لأشهر وكرامات تُداس عند بعض الكفلاء. يذهب العامل المقهور يمنة ويسرة فلا يجد إلا اجتهادات فردية مبعثرة. ووعوداً على قروبات الواتساب سرعان ما تتبخر.
لمصلحة من هذا الفراغ؟
إن هذا الغياب ليس قدراً ولا هو لقلة الرجال. فالرياض تزخر بخيرة أبناء السودان أطباء يشار إليهم بالبنان. ومهندسون يشيدون ناطحات السحاب وقانونيون وأكاديميون.
ولكن بقاء السودانيين شتاتاً ممزقاً يخدم كل من يكره وحدتهم. يخدم من يريد أن تبقى الجالية غنيمة يتقاسمها السماسرة. ومن يخشى صندوقاً شفافاً وانتخابات حرة ومحاسبة علنية. لقد أُريد لنا أن نبقى جزراً معزولة.
انظروا حولكم جاليات أقل منا عدداً وأضعف إمكانات لها مقار تلمع ومدارس تربي وصناديق تغيث وكلمة مسموعة. أما نحن. فما زلنا نعيش على أطلال كيان غاب طويلاً.
لماذا الجالية ضرورة وليست ترفاً؟
إن وجود الجالية ليس ترفاً اجتماعياً ولا وجاهة احتفالية بل هو ضرورة وجود وأمانة في الأعناق وذلك للأسباب الآتية:
١-الحماية القانونية: الجالية هي الدرع. لجنة قانونية متخصصة تتابع قضايا التوقيف وتوجه المتظلمين لمكتب العمل. وتترجم للموقوفين وتضمن ألا يضيع حق وراءه مطالب.
٢- الرعاية الصحية والإنسانية:
لجنة صحية تزور المرضى وتتابع العجزة وتحصي الحالات الحرجة وتتواصل مع ذويهم في السودان. فلا يموت سوداني وحيداً بعد اليوم.
٣- التكافل الاجتماعي:
صندوق تكافل شفاف بمالٍ معلوم ومصرفٍ معلوم لمواساة المنكوبين وإعانة المتعثرين وفك عسر المعسرين. فالمغترب للمغترب رحمة.
٤- الحاضنة التربوية والثقافية:
أبناؤنا ينشأون في الرياض بلا هوية جامعة. الجالية هي المدرسة التي تحفظ لهم لسانهم السوداني وتربطهم بتراثهم وتحميهم من الضياع.
٥- الواجهة الحضارية:
الجالية هي وجه السودان المشرق. هي التي تنظم مشاركاتنا في المناسبات الوطنية السعودية وتقدم السوداني بصورته الحقيقية، الكريم الأمين المتعلم.
٦- الذراع المساند للسفارة:
إن السفارة مهما كبر جهدها لا تستطيع وحدها أن تطرق كل بيت. الجالية هي ذراعها الشعبي وعينها الساهرة تخفف عنها العبء وتوصل صوت المواطن بصدق.
لقد طال ليل الغياب فترة طويلة من الصمت من التمزق من الاجتهادات الفردية التي تذهب هباءً.
آن للتيه أن ينتهي وآن لليتيم أن يجد مأواه وآن لجالية الرياض أن تعود قوية حرة منتخبة من أهل الرياض ولأهل الرياض.
