رئيس الجهاز القضائي حين جبر خاطر شاب مكافح ============== ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
رئيس الجهاز القضائي حين جبر خاطر شاب مكافح
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
شاهدت فيديو مرسلا من الجهاز القضائي، فتوقفت أمامه طويلا. لم يكن احتفالا رسميا كبيرا، ولم تكن فيه منصة فخمة أو كلمات معدة بعناية؛ كان مشهدا سودانيا صادقا، خرج من القلب ووصل إلى القلب.
شاب بسيط ظل يعمل في غسل عربات الجهاز القضائي، ويصرف من عرق جبينه على نفسه وأسرته. لم يستسلم للعطالة، ولم يسلك طريق المخدرات أو الجريمة، ولم يجعل ضيق الحياة مبررا للضياع. اختار أن يعمل بيديه، وأن يتحمل مسؤوليته، وأن يحفظ كرامته وكرامة أسرته بالحلال.
هذا الشاب لم يكن يعلم أن عيون الخير تراقب اجتهاده، وأن أخلاقه وكرمه وسماحته وصبره ستجعل منه نموذجا يستحق أن يقف الناس من حوله تقديرا واحتراما.
وعندما تقدم رئيس الجهاز القضائي لتكريمه، لم يكن يكرم شابا يغسل العربات فحسب، بل كان يكرم قيمة العمل الشريف، وينحاز إلى الإنسان المكافح، ويرسل رسالة عظيمة إلى المجتمع مفادها أن المهن لا تصغر بأصحابها، وإنما يكبر أصحابها بالأمانة والإخلاص والعفة.
ما أجمل المسؤول حين يرى الإنسان خلف المهنة، ويكتشف الكفاح المختبئ خلف الثياب البسيطة، ويدرك أن جبر الخواطر لا يحتاج دائما إلى قرارات كبرى؛ فقد تصنع كلمة تقدير ما لا تصنعه الأموال، وقد تعيد شهادة بسيطة إلى إنسان ثقته بنفسه وإيمانه بأن المجتمع يراه ويحترمه.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده». فما أشرف اليد التي تتعب لتطعم أسرة، وما أعظم الشاب الذي يقاوم الفقر والفراغ بالعمل، ويختار الطريق الطويل النظيف بدلا من الطريق القصير الملوث بالحرام.
لقد جاءت كلمات المتحدث في الفيديو كأنها نداء إلى شباب السودان: اتركوا العطالة والكلام الفارغ والمخدرات، وابحثوا عن العمل، واصبروا على بداياتكم، فليس عيبا أن تبدأوا من الصفر؛ العيب أن تستسلموا لليأس وتتركوا أعماركم تضيع.
ورسالة الفيديو موجهة كذلك إلى المسؤولين ورجال الأعمال والمجتمع: ابحثوا عن أمثال هذا الشاب، وخذوا بأيديهم، وافتحوا لهم أبواب التدريب والعمل. لا تنتظروا منهم أن يطلبوا التكريم؛ فكثير من المكافحين يصمتون، ويتعبون بعزة، ويخفون خلف ابتساماتهم معارك لا يعلمها إلا الله.
التحية لرئيس الجهاز القضائي الذي رأى في هذا الشاب ما يستحق التكريم، والتحية لكل من شارك في جبر خاطره، والتحية للشاب نفسه الذي قدم درسا بليغا من دون أن يخطب أو يكتب: أن كرامة الإنسان ليست في نوع مهنته، وإنما في صدقه وأمانته وتحمله للمسؤولية.
لم تكن الشهادة التي حملها الشاب مجرد ورقة داخل إطار؛ كانت صوت الوطن وهو يقول لكل مكافح: ربما لا يعرف الناس حجم تعبك، لكن العمل الشريف لا يضيع، واليد التي تنفق على أسرتها من الحلال تستحق أن ترفع، لا أن تنحني.
لقد كرم رئيس الجهاز القضائي شابا واحدا، لكنه جبر بخطوته خاطر آلاف الشباب الذين ما زالوا يقاومون اليأس بصمت.
السودان أولا
جيش واحد.. شعب واحد.. وطن واحد
