منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
المشهد المصري | عمار العركي ================== من القاهرة التاريخية إلى العاصمة الإدارية 2-2 ا... المشهد المصري | عمار العركي ================= من القاهرة التاريخية إلى العاصمة الإدارية 1-2 خبر وتحليل | عمار العركي ================ مقال البرهان وتأشيرة أمري البعد_الاخر د. مصعب بريــر من منبر الأمم المتحدة: ترامب يوقّع شهادة وفاة النظام الدولي ..! 57 دقيقة... وبرغم التوقع.. عبد المعزحسين مكابرابي ميكانيزم القرار الإستراتيجي في الدولة (السياسات الأمريكية في ... سنا الحقيقة السيادة الوطنية لا. تقبل المساومة د / أميرة كمال مصطفى وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي ================= الجمعية العامة .. هندسة المواقف ومأزق الاحتمالات قراءة في البيان الأمريكي الجديد من أعطي واشنطن حق إعادة تعريف الشرعية في بلادنا ! ======== ✍... مِنْ بَعْدِ مَا فَاتَ الْأَوَانُ، اللَّيْلَةَ جَائِيٌّ وَتَعْتَذِرُ؟ ================ ✍þ... رئيس الجهاز القضائي حين جبر خاطر شاب مكافح ============== ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

البعد_الاخر د. مصعب بريــر من منبر الأمم المتحدة: ترامب يوقّع شهادة وفاة النظام الدولي ..! 57 دقيقة هدمت 80 عاماً من القواعد… والثمن قادم إلى كل بيت

0

البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
من منبر الأمم المتحدة: ترامب يوقّع شهادة وفاة النظام الدولي ..!

57 دقيقة هدمت 80 عاماً من القواعد… والثمن قادم إلى كل بيت

في مقهى بالخرطوم، يسأل رجل صديقه عن سعر كيس السكر. لا أحد يعلم أن الإجابة تُكتب الآن في قاعةٍ بنيويورك، على بعد آلاف الأميال.

قبل أيام، وقف رئيس أكبر دولة في العالم على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة. لم يتحدث عن السلام. لم يتحدث عن الفقر. تحدث عن نفسه.

هذا ليس خبراً عابراً تقرأه وتنساه. هذا مشهد يستحق التأمل، لأنه يكشف شيئاً أعمق من خطاب رجل واحد. يكشف أن العالم الذي ورثناه من الحرب العالمية الثانية، بكل مؤسساته وقوانينه، يتآكل من الداخل. والدليل: من كان يُفترض أن يحميه، هو من يضرب أطنابه الآن.

ما حدث في نيويورك ليس مفاجئاً. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد إلى الأمم المتحدة بعد غياب، وتحدث لمدة 57 دقيقة بدل 15 دقيقة مخصصة له. تحدث كأنه في تجمع انتخابي، لا في قاعة تضم 193 دولة. قال إن الأمم المتحدة “كيان سياسي غير فعال” لا يصدر منه إلا “كلام فارغ”. سخر من مصعدها المتعطل. انتقد الهجرة. وصف تغير المناخ بـ”أكبر عملية احتيال شهدها العالم”. ثم نظر إلى القادة الأوروبيين وقال لهم بصراحة: “بلدانكم ستذهب إلى الجحيم”.

لكن السؤال الذي يجب أن نسأله ليس “ماذا قال؟” بل “ماذا يعني هذا لنا؟”

دعنا نفكك الأمر. الطبقة الأولى: الظاهر. رئيس أمريكا يهاجم الأمم المتحدة. هذا حدث. لكن الطبقة الثانية، وهي الأهم: لماذا يفعل ذلك الآن؟

الجواب بسيط ومزعج. الولايات المتحدة لم تعد ترى في الأمم المتحدة أداة تخدم مصالحها. تراها قيداً. عبئاً. صوتاً آخر لا تريد سماعه. تقرير لندن للاقتصاد السياسي وصف الخطاب بأنه “مقياس لمدى انقلاب الولايات المتحدة في عهد ترامب على كل أشكال التعددية”. هذا ليس رأياً. هذه حقيقة تُقال بصوت عالٍ.

الطبقة الثالثة، وهي مربط الفرس: ما الذي يحدث خلف الكواليس؟

هذا الخطاب ليس مجرد “عنترية” أو “غرور” كما يرى البعض. إنه إعلان. إعلان أن القواعد التي حكمت العالم منذ 1945 لم تعد ملزمة لمن كتبها. عندما يرفض رئيس أمريكا الانضمام لتنظيم الذكاء الاصطناعي، ويدعو الدول لمقاطعة المحكمة الجنائية الدولية، فإنه لا يهاجم مؤسسة بعينها، بل يهاجم فكرة القواعد المشتركة نفسها.

وهنا تتضح الخيوط المتقاطعة. هذه ليست لعبة شطرنج بين قطبين. إنها طاولة عليها عشرة لاعبين، بعضهم لا تراه، وبعضهم يلعب بأموال ليست له. الصين تراقب. روسيا تراقب. أوروبا قلقة. والجنوب، بما فيه نحن، ينتظر.

لنكن صريحين. الخطاب لم يكن مفاجئاً. المفاجئ هو أن أحداً لم يقف ويخرج. ممثلو العالم جلسوا في صمت شبه تام. هذا الصمت ليس احتراماً. إنه خوف. خوف من دولة ما زالت تحمل أكبر اقتصاد وأقوى جيش في التاريخ. لكن الخوف لا يُنتج استقراراً. يُنتج انتظاراً. والانتظار يُنتج فوضى.

والدليل ليس بعيداً.

في الجلسة نفسها، وقف الرئيس التركي أردوغان وقال إن غزة أصبحت “أكبر معتقل في العالم”. وفي اليوم نفسه، التقى ترامب بقادة دول عربية وإسلامية — السعودية، مصر، الإمارات، قطر، الأردن، باكستان — وبحث معهم “خطة سلام” في غزة. أليس هذا تناقضاً لافتاً؟ رجل يهاجم الأمم المتحدة في القاعة الكبرى، ثم يعقد صفقات في الغرف الجانبية. هذا ليس خطأ. هذا أسلوب. أسلوب رجل يعتقد أن القواعد للآخرين، أما هو فيعمل بالصفقات.

وهنا نصل إلى اللحظة الحاسمة. ما الذي ينتظرنا بعد هذا الخطاب؟

الجميع يتحدث عن “فوضى خلاقة”. لكن الفوضى — أي فوضى — لا تكون “خلاقة” إلا لمن يملكون الثمن. ونحن، للأسف، لسنا من يملكون. نحن ندفع. ندفع غلاءً في الخبز، وارتفاعاً في الدولار، وضغوطاً على الأنظمة، وحروباً على حدودنا. كل تصدع في المنظومة الدولية يصل إلينا، متأخراً قليلاً، لكنه يصل.

لقد قال مسؤول أمريكي سابق، في تحليل نشرته شبكة سي بي سي، إن الخطاب “يشير إلى إغلاق عصر الولايات المتحدة كمنارة أمل” للمجتمع الدولي. هذه ليست مبالغة. هذا تشخيص. المنارة تنطفئ. والسفينة التي تنتظرها، لن تأتي.

لماذا نشعر أن العالم يتغير، لكننا لا نعرف بالضبط أين يتجه؟ لأننا ننظر إلى الشاشات، لا إلى الخرائط. نشاهد خطاباً، ونقرأ تصريحاً، ثم نعود إلى حياتنا. لكن الخطاب انتهى. والتصريح تُنسى كلماته. أما ما يبقى، فهو أثره على رفّ الدكان، وعلى عيادة الطبيب، وعلى مقعد الطالب في المدرسة.

الرئيس الأمريكي قال في خطابه إنه “أوقف 8 حروب” و”هزم إيران” و”صنع السلام”. هذا ليس وصفاً. هذا بيع. بيع لجمهوره في الداخل. لكن العالم ليس سوبر ماركت. الأفعال تُقاس بنتائجها، لا بشعاراتها. والنتيجة أن النظام الذي بُني ليحمي الضعفاء، صار أداة بيد الأقوياء. والضعفاء هم نحن.

هذا لا يعني أننا بلا خيار. يعني فقط أن علينا أن نرى الواقع كما هو. لا كما نتمناه. النظام الدولي الذي وُلد عام 1945، يموت الآن على شاشات التلفزيون. والسؤال ليس “من قتله؟” السؤال: “ماذا نبني بدلاً منه؟” أو على الأقل: كيف نحمي أنفسنا في الفراغ الذي سيخلفه؟

الجواب ليس في الأمم المتحدة. الجواب في ميناء بورتسودان. في خطوط التجارة. في تحالفات إقليمية لا تعتمد على واشنطن. في رغيف خبز يُصنع محلياً. هذه ليست شعارات. هذه ضرورات.

بعد اخير:

خلاصة القول، الخريطة تُرسم الآن. من بعيد. في قاعات نيويورك. لكن الثمن يُدفع قريباً. في الأسواق، في المستشفيات، في صفوف المخابز. والفرق بين من يرى الخريطة ومن يدفع الثمن، هو الفرق بين من يقرأ التاريخ ومن يصنعه. ونحن، في الأغلب، نقرؤه. لكننا نقرؤه متأخرين، كما نقرأ كل شيء.

أخيراً، الضوء في آخر النفق ليس قطاراً قادماً. إنه باب. لكن الأبواب لا تُفتح بالانتظار. تُفتح بالضغط عليها. وفي عالم يتراجع فيه الحمقى عن قواعدهم، تصبح الكرامة — وليست القوة — هي آخر ما يتبقى لنا.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر  |د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.