البعد_الاخر مصعب بريــر تجميل القبح: كيف يمارس محمد لطيف التضليل باسم التحليل؟
البعد_الاخر
مصعب بريــر
تجميل القبح: كيف يمارس محمد لطيف التضليل باسم التحليل؟
هل سألت نفسك يوماً لماذا يبدو بعض الكلام جميلاً ومقنعاً، لكنه لا يصمد أمام أول سؤال صادق؟ كأنه ذلك الطلاء اللامع على جدار متصدع، يبدو متماسكاً من بعيد، حتى تقترب وتلمسه بيدك، فينهار كله.
هذا بالضبط ما يحدث مع مقال الأستاذ محمد لطيف عن مواقف تركيا والإمارات من حرب السودان. ليس حديثاً عن قطر أو الإمارات أو تركيا بحد ذاتها، بل عن شيء أخطر وأقرب إلينا: كيف نقرأ الحرب؟ وكيف نسمح لأنفسنا بأن نرى نصف الحقيقة فقط؟ نحن لا نتحدث عن تحليل سياسي عابر، بل عن الطريقة التي تُصنع بها وعينا، جملة بعد جملة، وتناقض بعد تناقض.
السبب الأول الذي يراه الجميع هو “البراغماتية” في قراءة المواقف الدولية. يقول البعض إن السياسة لا تعرف الأصدقاء الدائمين، فقط المصالح. لكن ما لا يُرى هو أن هذه البراغماتية، حين تُطبَّق على قراءة الحرب، تتحول إلى أداة لتشويه الحقائق. فمحمد لطيف يرى في كلمة أردوغان أمام الجمعية العامة “اعترافاً مباشراً” و”خطاب دولة” مهماً، لكنه يرى في الوقت نفسه أن هذه الكلمة “تضع تركيا أمام حرج بالغ” بسبب دورها المعروف في دعم الحرب كمصدر تسليح. فهل يُحسب لك اعترافٌ أنت نفسك متورط في صناعة أسبابه؟ الأمر أشبه بمن يشتكي من الفوضى في السوق بينما هو من يبيع البضائع دون ترخيص.
ثم ننتقل إلى الطبقة الثانية، وهي النتائج المباشرة لهذا التناقض. الموقف الإماراتي في الجمعية العامة، بحسب لطيف، “ربما جاء متسقاً مع مواقفها المعلنة” في الدعوة لهدنة إنسانية، وهذا يُحسب لها. لكن ما الذي “أربك خصومها” في نظر الكاتب؟ دعوة الإمارات إلى “حظر أسلحة على مستوى السودان كله وليس دارفور فقط”. وهنا يظهر الانحياز الصارخ: لماذا يُقرأ الموقف الإماراتي كإرباك لخصومها، بينما يُقرأ الموقف التركي كحرج لها؟ لماذا تُمنح الإمارات فرضية “الاتساق مع المواقف المعلنة”، بينما تُمنح تركيا فرضية “التورط المعروف في التسليح”؟ أليست المعايير نفسها يجب أن تُطبَّق على الجميع؟
لكن ما لا يُرى، وهو العلاقة الخفية، هو أن هذا التناقض في قراءة المواقف ليس عابراً أو ناتجاً عن سهو. إنه نمط متكرر. تقرير بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، الصادر في سبتمبر 2026، وثّق “أسباباً معقولة للاعتقاد” بأن شبكات عابرة للحدود أسهمت في تسهيل وصول أسلحة ومقاتلين إلى قوات الدعم السريع عبر مسارات تربط جهات وأفراداً في الإمارات وتشاد. هذا التقرير لم يكن “سردية من خصومها”، كما يريد لنا لطيف أن نعتقد. هذا تقرير أممي، صادر عن آلية أنشأتها الأمم المتحدة، ويستند إلى معيار قانوني واضح. فلماذا يتحول هذا التوثيق إلى “سردية” عند لطيف، بينما تتحول كلمة واحدة من أردوغان إلى “اعتراف مباشر” و”خطاب دولة”؟
نأتي الآن إلى الجوهر: كيف تسلل هذا التناقض ليصنع وعياً مشوهاً؟ لننظر إلى حادثة مثيرة. في نوفمبر 2025، وتزامناً مع جلسة للبرلمان الأوروبي، سعت السيدة لانا نسيبة، وزيرة الدولة الإماراتية، إلى لوبي ناجح أسفر عن حذف أي إشارة إلى الإمارات من قطعوة البرلمان الأوروبي التي تدين الحرب في السودان. هذا ليس رأياً. هذه حقيقة موثقة. لكن الأهم من الحادثة نفسها هو ما يليها. هذا النوع من العمل الدبلوماسي الصامت، الذي يزيل أسماء الدول من قرارات الإدانة، هو الذي يجعل “السرديات” تبدو وكأنها تختفي. يصبح التورط المباشر مجرد “ادعاء”، ويصبح الدفاع عن المدنيين مجرد “دعوة لهدنة”. وهكذا، تُغسل الأسماء من النصوص، لكن الدماء لا تُغسل من الأرض.
طيب، هذا معناه شنو للمواطن السوداني الجالس في حوشه؟ معناه أن الحرب التي يأكل ثمنها كل يوم، من لقمة عيشه وأمان أولاده، يتم تحويلها في بعض المنابر إلى لعبة معايير. طرف يُحاسب على “دوره المعروف”، وطرف آخر يُشاد بـ”موقفه المربك لخصومه”. هذا الربط هو ما يجعل المقال خطراً. إنه لا يُخبرك مباشرة بأن يقف مع هذا الطرف أو ذاك، بل يزرع في ذهنك قيماً مزدوجة. تتعلم أن “الحرج” جريمة، وأن “الإرباك” فضيلة. تتعلم أن الاعتراف من دولة يُدينها، والدعوة من دولة أخرى تُجمّلها. وهكذا، عندما تسمع اليوم عن حظر سلاح تشمله الإمارات على كل السودان، قد تنسى أن تقرأ التقرير الأممي الذي وثّق دورها، لأن مقالاً “محايداً” قد أقنعك بأن المقارنة نفسها هي دليل على التورط.
بعد اخير :
خلاصة القول، السؤال ليس عن صدق مقال محمد لطيف أو خطأه. السؤال هو عن الثمن الذي ندفعه جميعاً عندما نسمح لهذه المعايير المزدوجة بأن تصبح هي لغتنا. هل بيع المصداقية مربح إلى هذه الدرجة؟ أن نشتري راحة البال بأن نرى الجاني ضحية، والبريء متآمراً؟
اخيراً، لقد طرح الاستاذ ابراهيم عثمان سؤال بليغ: كم ثمن المصداقية؟ لكن الجواب ليس في أرقام. الجواب هو أن المصداقية ليست سلعة تُباع بالجملة أو القطاعي. هي الشيء الوحيد الذي لا يضيع عندما نتصدق به. أما أولئك الذين يقايضونها بموقف سياسي، أو بعلاقة نفعية، فلا يبقى لهم سوى طلاء لامع على جدار متصدع، ينهار عند أول لمسة من الحقيقة.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
