مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَن كان بيته من زجاج فلا يَرْمِ الآخرين بالحجارة ================= ✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السي
مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ
مَن كان بيته من زجاج فلا يَرْمِ الآخرين بالحجارة
✍️ : فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد
لم تعد الحرب السودانية شأنًا داخليًا محضًا؛ فقد كشفت التطورات المتلاحقة عن تشابكات إقليمية جعلت من حدود السودان ومحيطه الجغرافي جزءًا من معادلة الحرب، بما يفرض على دول الجوار مسؤولية تاريخية وأخلاقية في عدم تحويل أراضيها إلى منصات للتدخل في الشأن السوداني.
وفي هذا السياق، تبرز إثيوبيا بحكم الجوار والحدود المشتركة.
فقد تناولت تقارير وتحقيقات دولية معلومات عن وجود معسكر داخل إقليم بني شنقول-قمز لتدريب مقاتلين مرتبطين بقوات الدعم السريع، كما رصدت تحليلات صور الأقمار الصناعية نشاطًا عسكريًا ولوجستيًا متزايدًا في منطقة أسوسا، وتحدثت تقارير عن ارتباط المطار بعمليات إمداد مرتبطة بالحرب السودانية.
هذه المعطيات، إلى جانب ما يرد من اتهامات بشأن استضافة أو تسهيل أنشطة مرتبطة بأطراف سودانية مسلحة، تجعل من حق السودان أن يطرح الأسئلة المشروعة حول طبيعة الدور الذي تلعبه الأراضي الإثيوبية في هذه الحرب.
وفي المقابل، تنفي الحكومة الإثيوبية اتهامات التورط المباشر في دعم أطراف الحرب السودانية، وهو موقف ينبغي أن يُذكر عند تناول القضية بمسؤولية صحفية.
لكن المفارقة التي تستحق التأمل أن إثيوبيا نفسها تواجه تحديات داخلية مرتبطة بجماعات مسلحة معارضة للحكومة، وقد أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة في سبتمبر 2026 تشكيل تحالف معارض للحكومة.
وهنا لا مجال للشماتة في الشعب الإثيوبي، ولا نتمنى لإثيوبيا حربًا أو خرابًا؛
فالشعوب هي أول من يدفع ثمن الصراعات السياسية والعسكرية ، وإنما هي وقفة مع سُنّة من سنن الله.
قال تعالى:﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾: [سورة فاطر :43]
إنها ليست دعوة إلى تفسير كل حادثة سياسية باعتبارها عقوبة إلهية؛ فذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. لكنها تذكير بأن المكر السيئ قد يرتد على صاحبه، وأن للظلم والتدخل في شؤون الآخرين عواقب، وأن الجزاء من جنس العمل.
فإذا كانت إثيوبيا ترى أن دعم جماعات مسلحة معارضة داخل أراضيها أو من خارج حدودها يمثل تهديدًا لأمنها وسيادتها، فإن السودان من حقه أن يرفض المبدأ نفسه عندما يتعلق الأمر بأمنه وأرضه وشعبه.
المبدأ لا يتغير بتغير الدولة.
ما نرفضه لأنفسنا ينبغي ألا نمارسه على غيرنا، وما نعتبره انتهاكًا لسيادتنا لا ينبغي أن نقبله عندما تكون السيادة المنتهكة هي سيادة دولة أخرى.
والسودان لا يريد لإثيوبيا إلا الأمن والاستقرار، ولا يريد لشعبها إلا السلام؛ لكنه في الوقت نفسه يريد أن تُحترم سيادته، وأن تتوقف كل أشكال التدخل الخارجي التي من شأنها إطالة أمد الحرب أو زيادة معاناة السودانيين.
فالسودان وإثيوبيا جاران، ومصلحة الشعبين أن تكون الحدود جسرًا للتعاون لا ممرًا للحرب، ومصدرًا للأمن لا منصة للصراع.
إنها ليست شماتة، وليست دعوة للانتقام؛ إنها رسالة واضحة:
احترم سيادة غيرك كما تريد أن تُحترم سيادتك، ومن كان بيته من زجاج، فالأولى به ألا يرمي الآخرين بالحجارة.
فقد قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾:{ فاطر: 43}
والله ولي التوفيق
