*الدكتور عثمان عبدالوهاب أحمد* *العباس… حين يرحل الرجال الذين تصنع بهم الأوطان تاريخها* *أبو النفط السوداني… حارس العهد، ورجل المواقف، وواحد من رجالات التأسيس* *بقلم✍:حسبو علي بخيت*
الدكتور عثمان عبدالوهاب أحمد العباس… حين يرحل الرجال الذين تصنع بهم الأوطان تاريخها
أبو النفط السوداني… حارس العهد، ورجل المواقف، وواحد من رجالات التأسيس
بقلم✍🏼:حسبو علي بخيت

ليس الموتُ أن يغيبَ المرءُ عن العيون، ولكنَّ الموتَ أن يغيبَ أثرُه عن الحياة؛ فكم من حيٍّ يمشي بين الناس ولا يترك في الأرض علامة، وكم من راحلٍ يُوارى جسدُه في التراب، وتظلُّ مآثرُه حيّةً في ذاكرة الأوطان، تتناقلها الأجيال كما تتناقل الأرضُ خصبَها، وكما تتوارث الأشجارُ جذورَها. ومن هؤلاء الرجال الذين لا يُختصرون في تاريخ الميلاد والوفاة، ولا تُحيط بهم صفحاتُ السِّيَر، يجيء اسم الشيخ المهندس الدكتور عثمان عبدالوهاب أحمد العباس، الذي رحل عن دنيانا، وبقيت من بعده سيرةُ رجلٍ جمع بين العلم والورع والتقوى والعمل، وبين صلابة الموقف ونبل المقصد، وبين عقل المهندس وحكمة القائد.
لقد كان عثمان عبدالوهاب واحداً من أولئك الذين لا تصنعهم المناصب، بل يصنعون للمناصب معناها، ولا يستمدون قيمتهم من مواقعهم، بل تستمد المواقع شيئاً من قيمتها من حضورهم. وهو الذي عُرف في تاريخ السودان الحديث بلقب «أبي النفط السوداني»، لما اضطلع به من دورٍ محوري في استعادة السودان حقَّه في التنقيب عن ثروته النفطية، بعد أن ظلَّ هذا الحقُّ رهين احتكار شركة شيفرون؛ فقاد فريقاً من المختصين والخبراء، وأسهم في وضع اللبنات الأولى لمسيرة الترويج والاستثمار والتعاقد النفطي، حتى تولّى وزارة الطاقة والتعدين بين عامي 1991 و1994، فكان من أبرز الذين أشرفوا على تأسيس صناعة النفط السودانية. ولم يكن النفط عنده مجرّد موردٍ تحت الأرض، بل كان عنواناً لاستقلال القرار، ونافذةً لاستنهاض الاقتصاد، وأملاً في أن يمتلك السودان مفاتيح ثروته بيده.
أما مسيرته العلمية، فقد كانت شاهداً على عقلٍ لم يعرف حدوداً لطموحه؛ إذ تلقّى تعليمه بمدرسة رفاعة الأميرية، ثم مدرسة حنتوب الثانوية، حيث جمعته مقاعد الدراسة بنخبةٍ من الشخصيات التي تركت بصماتها في تاريخ السودان، ومن بينهم الشيخ حسن الترابي والرئيس الأسبق جعفر نميري، والأستاذ محمد إبراهيم نقد، وغيرهم. ثم مضى إلى جامعة الخرطوم، فتخرّج في قسم الجيولوجيا، قبل أن يواصل رحلته العلمية إلى جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة، حيث نال الماجستير، ثم إلى جامعة أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث توّج مسيرته بالدكتوراه. وهكذا كان العلم عنده رحلةً لا محطة، ومسؤوليةً لا زينة، ووسيلةً لخدمة الوطن لا وجاهةً في أعين الناس.
وفي ميادين العمل الاقتصادي، لم يكن رجلاً ينتظر أن تُفتح له الأبواب، بل كان من الذين يفتحونها للآخرين؛ فعمل بمصلحة الجيولوجيا، فكان كالغيث الهطول أينما حل نفع واستبشر به الناس، ثم أسهم في تأسيس شركة التأمين الإسلامية وتولى إدارتها، وشارك في مؤسسات اقتصادية وإسلامية عديدة، من بينها بنك فيصل الإسلامي، وبنك التضامن الإسلامي، والشركة الإسلامية للتنمية، ومنظمة الدعوة الإسلامية، والوكالة الإسلامية للإغاثة، فضلاً عن مشاركاته في الاتحادات الدولية والإسلامية للتأمين والتكافل. لقد كان يرى في الاقتصاد عملاً من أعمال البناء، وفي المؤسسة وعاءً للفكرة، وفي الإدارة أمانةً لا امتيازاً.
أما في ميدان الحركة الإسلامية، فقد كانت له سيرةٌ أخرى لا تقل حضوراً عن سيرته العلمية والمهنية؛ إذ انتمى إليها منذ التحاقه بجامعة الخرطوم عام 1951، وينسب فضل انضمامه إلى الراحل ميرغني النصري. ثم عاد من دراسته بالولايات المتحدة ليحمل مسؤولياته التنظيمية، فانتُخب عضواً بمجلس الشورى، وأسندت إليه مهام المكتب الإداري، وكان يتولى قيادة الحركة في الفترات التي يتعرض فيها الشيخ حسن الترابي للاعتقال أو الاحتجاز المنزلي. كما تولّى المكتب الاجتماعي، وأسهم في توسيع اهتمام الحركة بالمرأة وتطوير العمل في أوساط النساء، في مرحلةٍ شهدت صدور رسالة الترابي الشهيرة «المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع».
وفي المنعطفات الحرجة من تاريخ الحركة، ولا سيما خلال عهد مايو ومراحل الضغوط التي تعرضت لها، كان الشيخ عثمان عبدالوهاب من الرجال الذين تُلقى عليهم الأعباء حين تضيق المسالك وتشتد المحن؛ فكان مسؤولاً إدارياً في مواقع القيادة، بينما تولّى الأستاذ علي عثمان محمد طه مسؤولية العاصمة القومية. وعند التحضير لتغيير عام 1989، كان ضمن الدائرة التنفيذية المصغّرة التي أشرفت على التخطيط والإعداد، ثم كان من الذين اختيروا للبقاء خارج المعتقل، إلى جانب الشيخ يسن عمر والشيخ عبدالله حسن أحمد، في حين مضى آخرون إلى الاعتقال، وتولى عدد من القيادات متابعة النشاط الخارجي.
ولعلَّ أجمل ما يُذكر في سيرة هذا الرجل أن شخصيته لم تكن صدىً لشخصية غيره، ولا ظلاً يمشي خلف زعامة؛ فقد كان قوي الرأي والشخصية، شديد الاعتداد برأيه، صلباً في الحق، لا يساوم على مبادئه، ولا يستبدل قناعاته برضا العابرين. جمعته بالشيخ الترابي علاقةُ احترامٍ ومحبةٍ وندية، وهي علاقة الأقران الذين يعرف كلٌّ منهم قدر الآخر، فلا تُفسد الاختلافاتُ بينهم أواصرَ التقدير، ولا تنتقص المكانةُ من المكانة.
رحل الشيخ عثمان عبدالوهاب في التاسع من ذي الحجة، العام الماضي الموافق الخامس من يونيو 2025، بجمهورية مصر العربية، إثر وعكة صحية، وعندما فاضت روحه الطاهرة كان الحجيجِ ينفرون إلى صعيد عرفات، ولعمري إنَّه شرف الزمان وشرف المكان الذي يشبه أبا المحاسن والفضائل والشمائل والجمائل والمعرفة والفكر والسماحة، الشيخ الدكتور عثمان عبدالوهاب. فرحل الجسد وبقيت السيرة، وغاب الصوت وبقيت الشواهد.
وما أحوج السودان، في زمن المحن وتكسّر المؤسسات وضياع البوصلة، إلى استحضار نماذج الرجال الذين آمنوا بأن الأوطان لا تُبنى بالأماني، وإنما تُبنى بالعلم والعمل والإرادة، ولا تُحمى بالشعارات، وإنما تُحمى برجالٍ يعرفون معنى المسؤولية ويؤدون أمانتها.
سلامٌ على عثمان عبدالوهاب يوم حمل همَّ وطنه، ويوم جعل من علمه جسراً لخدمته، ويوم وقف في منعطفات التاريخ حاملاً ما استطاع من أعباء الرجال. سلامٌ على من ترك في الجيولوجيا علماً، وفي النفط أثراً، وفي المؤسسات بصمة، وفي ذاكرة رفاقه سيرةً لا تمحوها السنون.
رحم الله الشيخ المهندس الدكتور عثمان عبدالوهاب أحمد العباس، وغفر له، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وجعل ما قدّم لوطنه وأمته في ميزان حسناته. ونسأل الله أن يحفظ أبناءه مصعب ومجتبى، وكل أفراد أسرته الكريمة. وأن يجعلهما خير امتدادٍ لسيرة والدٍ كريم، وأن يلهم أسرته وذويه ومحبيه والشعب السوداني جميل الصبر وحسن العزاء.
فإن الرجالَ وإن غابوا بأجسادهمُ
تبقى المآثرُ في الأوطانِ عنوانا
إنا لله وإنا إليه راجعون.
