*حمّى الضنك… حين يشتعل الجسد وتغيب الروح!* *مأساة وطنية صامتة..* *في وطنٍ تُهزم فيه الدولة أمام البعوض، لا يُلام المريض إن ظنَّ أن الشفاء معجزة* كوداويات ✍️ محمد بلال كوداوي
*حمّى الضنك… حين يشتعل الجسد وتغيب الروح!*
*مأساة وطنية صامتة..*
*في وطنٍ تُهزم فيه الدولة أمام البعوض، لا يُلام المريض إن ظنَّ أن الشفاء معجزة*
كوداويات ✍️ محمد بلال كوداوي

*رحلة المرض من الخرطوم إلى أسوان… شهادة حيّة على مأساةٍ وطنية صامتة*
بينما تواصل حمى الضنك انتشارها في معظم ولايات السودان، مخلِّفةً آلاف الإصابات وآهاتًا لا تُسمع، يجد المريض نفسه وحيدًا في معركةٍ قاسية ضد مرضٍ خفيٍّ ماكر، يتسلل إلى الدم والعظم، ويعبث بكل ما في الجسد من حياة.
لقد أصابتني هذه الحمى أول الأمر في الخرطوم، حيث يعيش الناس وسط غاباتٍ من البعوض، وانعدامٍ شبه كامل لحملات الرش والنظافة، وكأن العاصمة تخلّت عن أبنائها لتقدّمهم قرابين لهذا الوباء اللعين.
ظننتُها في البداية وعكة عابرة، لكن سرعان ما تحولت إلى عاصفةٍ داخل الجسد. ارتفعت الحرارة، وهاجت المفاصل، وغابت الشهية، وصار كل نفسٍ يؤخذ بثمن.
اشتدّ عليّ المرض حتى اضطررت إلى التنويم في وادي حلفا، مع زوجتي حيث استقبلنا طاقمٌ طبيٌّ محدود الإمكانات، لكنه يواجه ما يفوق طاقته بألف مرة. كانت المستشفى تعجّ بالمصابين، بعضهم أطفالٌ يئنّون من الحمى، وآخرون يعانون من النزيف الحاد وتكسّر الصفائح الدموية.
لم يكن أمامي سوى الصبر.
لكن الألم كان أعمق من أن يُحتمل.
قررت بعدها أن أنتقل إلى أسوان لاستكمال العلاج، علّي أجد في دفء النيل وهدوء المدينة ما يُطفئ نار الجسد.
لكن حتى هنا، بعد ثلاثة أسابيع من الصراع، ما زلت طريح الفراش، أكتب هذه السطور من بين أمواج الألم، في جسدٍ لم يعد يسمع نداء الحياة إلا خافتًا.
لقد أفقدتني الحمى الإحساس بالحركة، وبالطعام، وحتى بالماء؛ صار طعمه كالعلقم.
أما قهوتي التركية التي لم أفارقها يومًا، فصارت في عيني كالقطران، تُثير الغثيان بدل الانتعاش.
تكسّرت صفائح دمي حتى بلغت مرحلة الخطر، وكأن الجسد قرر أن يعلن العصيان أمام هذا الغزو الفيروسي الذي لا يُرى بالعين المجردة.
وفي خضم هذا الألم، تذكّرت المتنبي وقد ذاق نار الحمى من قبلي، فصرخ في وجهها بصدقٍ شعريٍّ خالد:
وزائــرتــي كــأن بــها حـيـاءٌ
فـلـيـس تـزور إلا في الظلامِ
بَذلتُ لها المَطارفَ والحشايا
فـعـافـتـها وبـاتـت في عـظامي
ضـجيـعـتـي وكـأن الـعظمَ جَـرْمـي
مـن الغـضـى والـحرّ يـدخـل في الـعِظامِ
وما أشبه الليلة بالبارحة!
فحمّى الضنك، مثلما وصفها المتنبي قبل ألف عام، زائرة ليلية لا تُرى، لكن حضورها نارٌ تأكل العظم، وتترك صاحبها رمادًا من إنسان.
لقد كشفت لي هذه التجربة القاسية هشاشة أجسادنا، وضعف منظومتنا الصحية، وغياب الدولة عن أبسط مسؤولياتها تجاه المواطن.
فكيف لدولةٍ أن تصمد، وشعبها يُفتك به بعوضٌ في وضح النهار؟
وكيف ينام المسؤولون في الخارج، بينما المرض ينهش أجساد الملايين في الداخل؟
إن ما يحدث اليوم في السودان ليس مجرد أزمة صحية… بل جريمة صمتٍ جماعي.
حمى الضنك ليست جديدة، لكنها تزداد شراسة كل عام لأن أحدًا لا يتعامل معها بجدّية.
مدن كاملة بلا صرف صحي، بلا رشٍّ دوري، بلا توعية، بلا دواء، بلا دولة!
ها أنا الآن، على سريري بأسوان، أستعيد أنفاسي بصعوبة، وأتساءل:
كم من السودانيين يواجهون الآن هذا الألم في صمت؟
وكم منهم لن يجد حتى سريرًا في مستشفى أو قارورة محلول؟
*اللهم، إن هذا الشعب قد أُنهك بالوباء والحرب والفقر، فارفع عنه ما نزل به،* *واشملنا بعافيتك التي لا تُسأل عن سبب*
*اللهم اشفِ كل جسدٍ أنهكه الداء، وامنح السودان يومًا لا يُذكر فيه وجعٌ ولا وباء*
