منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي *الطريق إلى الدولة …* 

0

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

 

*الطريق إلى الدولة …*

اللقاءالذي جمع الرئيس عبد الفتاح البرهان بالقوى السياسية في بورتسودان أمس الاثنين، 20 يناير 2026،والذي ضم قيادات الكتلة الديمقراطية، تنسيقية القوى الوطنية، وتحالف الحراك الوطني شكل ، لحظة مهمة كما اكد علي ان : القوة العسكرية وحدها لا تصنع دولة، وأن الشرعية الوطنية لا تُستعاد إلا من خلال مؤسسات تمثل الشعب وتحمي قراراته.

غياب البرلمان منذ العام 2019 ترك الدولة مكشوفة أمام الانقسامات الداخلية والصراعات و الضغوط الإقليمية والابتزاز الدولي، ما جعل كل خطوة نحو السلام أو الانتقال السياسي مرهونة بالقدرة على بناء مؤسسات حقيقية. لذلك يُفهم طلب البرهان من القوى السياسية تقديم تصوراتها حول المجلس التشريعي ومواقيته كخطوة ضرورية ظل الجميع ينادي بها لإعادة إنتاج السلطة الشرعية، وحماية القرار الوطني من الابتزاز .

لقد كان قيام البرلمان الانتقالي استحقاقاً أصيلاً منذ الوثيقة الدستورية الأولى في أغسطس 2019، ثم أعيد التأكيد عليه في تعديلها عام 2025، حيث حُددت تركيبته وسقف عضويته وضمانات تمثيل أطراف السلام والمرأة . ومع ذلك ظل هذا الاستحقاق معلقاً بين لجان تُعلن ثم تختفي، وتوازنات تُدار من وراء الستار، فيما استمر مجلسا السيادة والوزراء في ممارسة سلطة تشريعية مؤقتة لا تملك لا عمق التمثيل ولا حصانة الشرعية الكافية. وهكذا تراكم مأزق مزدوج: مأزق داخلي يتجلى في غياب الرقابة والمساءلة، ومأزق خارجي تابعه الناس يتمثل في انفتاح الباب أمام تدخلات بائسة تحاول تشكيل القرار الوطني من خارج إرادة السودانيين.

في هذا السياق، تكتسب الدعوة إلى الوحدة الوطنية ولمّ الشمل والحوار الجامع معنىً يتجاوز الخطاب إلى الضرورة. فالدولة الخارجة من حرب لا تُبنى بالاصطفافات ، بل بتوسيع قاعدة الشرعية، وبإعادة السياسة إلى أهلها. إن المجلس التشريعي المرتقب، إذا ما أُنجز بتمثيل واسع ومتوازن، يمكن أن يتحول من مجرد هيئة انتقالية إلى جدار سيادي، تتكئ عليه القيادة في مواجهة الابتزاز، وتستند إليه في اتخاذ قرارات الحرب والسلم.

التجارب المقارنة في الإقليم تُعطي هذا المنطق مشروعيته، فبلدان واجهت حروباً واضطرابات كبرى، من مصر بعد 2013 إلى إثيوبيا والجزائر في لحظات التحول، أدركت أن الفراغ الدستوري أخطر من وجود برلمان انتقالي معيّن أو مؤقت. لأن وجود مؤسسة تشريعية، مهما كانت طبيعتها، يمنح الدولة غطاءً شرعياً يحصّن قراراتها المصيرية ويمنع تحويلها إلى رهينة على طاولات الخارج الذي ظل متربص حرصا علي أجنداته .

هنا يتبدّى الفارق بين السودان الذي ينزف في الداخل وهو صامد ، وشبكات الخطاب المخزي التي تتحدث باسمه من المنافي. فالشعب الذي يعيش الحرب بكل قسوتها يريد وقفها لأنه يكتوي بنارها يومياً، بينما كثير ممن يتحركون أو يصرخون من بعيد لا يدفعون ثمنها. البرلمان ، هو الأداة الوحيدة لتنظيم هذا الصوت الداخلي، وترجمته إلى إرادة سياسية واضحة، بحيث لا تُنسب قرارات المصير إلى أفراد أو جماعات ، بل تُتخذ باسم الإجماع الوطني الذي يمثل السودانيين ويمنح القرارات الشرعية الازمة.

قيام المجلس التشريعي اليوم لن يكون استكمالاً شكلياً لهياكل الحكم، بل تحولاً استراتيجياً في مسار الصمود الوطني. به فقط يمكن للقرار السوداني أن يستعيد ثقله، وللتفاوض أن يجد مظلته المؤسسية، وللإصلاح السياسي أن ينطلق من أرضية صلبة. عندها فقط، يمكن للسودان أن يعبر من ضيق الحرب وعنتها إلى فسحة السلام وامنه ، ومن منطق الطوارئ إلى أفق الدولة التي تحكمها الإرادة الشعبية ويصونها الدستور والقيم .

الرهانات الآن تتجاوز إدارة السلطة. المواطنون الذين عانوا من خيبات الماضي وفقدان الثقة في الأحزاب السياسية التي هُدمتها الصراعات، يضعون أعينهم على قدرة هذه القوى على تجاوز الحسابات الضيقة، والالتزام بمشروع وطني جامع . البرلمان الانتقالي، إذا أُقيم وفق معايير تمثيلية حقيقية ، سيكون الاختبار الأكبر: إما أن تثبت الأحزاب قدرتها على حماية السيادة والدفاع عن مصالح الشعب، أو أن تفقد مصداقيتها للأبد .

السياسة والأمن مترابطان ارتباطًا جوهريًا في السودان. دولة بلا مؤسسات تشريعية قوية معرضة للفوضى، وتمثل بيئة خصبة للمليشيا ، وميدانًا لتدخل الخارج. لذلك البرلمان يمثل أداة استقرار، تضع سقفًا لممارسات السلاح خارج الدولة، وتحمي القرار الوطني، وتحول الانتصارات العسكرية إلى دولة فعّالة ومستقرة. كل خطوة في الانتقال السياسي تعيد توزيع الثقة بين الدولة والمجتمع، وتخلق نموذجًا للحوكمة يضيق فيه هامش الانفلات ويصعب على القوى الإقليمية والدولية فرض إرادتها.

لكن الطريق إلى الدولة لا يكتمل بالبرلمان وحده. يحتاج السودان إلى عقد اجتماعي جديد يربط المواطن بالدولة، ويحدد خطوطًا واضحة بين السلطة والمجتمع، ويحوّل المؤسسات إلى آليات لحماية الحقوق الوطنية. هذا العقد الاجتماعي يتطلب مشروعًا وطنيًا جامعًا يربط المدن بالريف، المناطق المركزية بالمناطق الطرفية، ويعيد صياغة العلاقة بين الأجيال، ويحول السلطة إلى ممارسة مسؤولة للشعب، لا مجرد امتداد للأحزاب أو السلاح.

ويجب أن يشمل المشروع تمكين مؤسسات الدولة كافة من الجيش إلى الشرطة إلى القضاء، مع إشراك فاعل للمجتمع في صنع القرار السياسي، بحيث تصبح الدولة منصة للسلام والتنمية وليس فقط أداة للسلطة.

بحسب #وجه_الحقيقة فإن البرلمان ليس هدفًا بحد ذاته، بل أداة مركزية لإحياء الدولة، ولإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والسلطة. وعندما يقوم بدوره، يتحقق الانتقال السياسي الحقيقي، ويصبح السودان قادرًا على التحول من مربع الحرب والفوضى إلى مربع الدولة الكاملة: دولة تحمي سيادتها، وتحصن قرارها، وتعيد للمواطنين ثقتهم بوطنهم، وتضع الأسس لمستقبل مستدام يقوم على إرادة جماعية شرعية ومؤسسات قوية، في إطار عقد اجتماعي جديد يجمع كل السودانيين تحت سقف الدولة الحقيقية.
دمتم بخير وعافية
الثلاثاء 27 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.