منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*عندما يغيب القانون لا تعود الأوطان* *بقلم د. إسماعيل الحكيم *

0

*عندما يغيب القانون لا تعود الأوطان*

*بقلم د. إسماعيل الحكيم *

 

Elhakeem.1973@gmail.com
إن ما حدث في قلب الخرطوم، وفي وضح النهار، لم يكن مشهداً مألوفاً حادثة أمنية عادية ، بل صفعةً صريحةً على وجه الدولة، ورسالةً فجةً للمواطن مفادها أن السلاح – لا القانون – هو من يفتح الأبواب ويكسر القيود.
سيارات قتالية مدججة بالسلاح تقتحم قسماً للشرطة في قلب الخرطوم وفي وضح النهار .. لا لمواجهة خطر داهم، ولا لإحباط جريمة كبرى، بل لتحرير ثلاثة متهمين أُدينوا في قضايا مخدرات. هكذا، ببساطة مروّعة، يُدار المشهد، ويُختصر معنى الدولة في مشهد كربوني يعيد إلى الأذهان ما كانت تفعله مليشيا آل دقلو حين كانت تُداس القوانين وتُهان المؤسسات.
إنها لغة الغاب في أنقى صورها،
القوي آكل، والضعيف مأكول.
ومن يحمل السلاح يعلو فوق القانون، وفوق الأعراف، وفوق كرامة الدولة ذاتها.
والأكثر إيلاماً من الحادثة ذاتها، هو أنها وقعت تحت سمع وبصر السلطة مجتمعة ، رئيس مجلس السيادة ، وحكومة قائمة، والي ولاية، لجنة أمن، جهاز مخابرات، شرطة… ومع ذلك ظل التحدي هو التحدي، والاستفزاز هو الاستفزاز، والصمت يمد ظله الثقيل.
هذه الحادثة لم تُرعب المواطن فقط، بل كسرت شيئاً في داخله.
المواطن الذي بدأ يعدّ أيامه للعودة، ويجمع شتات روحه بعد سنوات التيه، أعادته هذه الصور فجأة إلى زمن الفوضى، وزمن تسلط آل دقلو، وزمن انكسار الأمان ، وتبدد الطمأنينة.
لسان حاله يقول بوضوح موجع،
إننا نصبر على انقطاع الكهرباء، وعلى قسوة الأوبئة، وعلى وحشة البيوت الخالية لسنوات… لكننا لن نصبر على فقدان الأمن.
الأمن ليس رفاهية، ولا ملفاً مؤجلاً، ولا مادةً للبيانات الباردة. الأمن هو الشرط الأول للحياة، وبدونه تصبح الخرطوم طاردةً لأهلها، ويصبح الحديث عن العودة مجرد وهم جميل.
من هنا، لا نطالب بتبرير، ولا نحتمل تسويفاً. ننتظر فعلاً يسبقه بيان شافي وحاسم من الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ومن وزير الداخلية، ومن مدير جهاز المخابرات، ومن لجنة أمن الولاية. بيان يقطع دابر هذا الفعل بلا رجعة، ويؤكد أن هيبة الدولة خط أحمر لا يُختبر.
فإننا يا سيدي البرهان .. لن نقوى على فقدان نفس واحدة بعد الآن ويكفي من فقدناهم حتى يومنا هذا .. فوالله ما عدنا نحتمل أوجاع الفقد ومآلات اليتم ..
أما إن ظل الصمت سيد الموقف، أو جرى الالتفاف على الحقيقة، فليعلم الجميع أن سامر الخرطوم سينفض من جديد، وأن المسافة بين المواطن وبيته ستطول، لا خوفاً من الفقر ولا من الخراب، بل خوفاً من غياب القانون.
وحين يغيب القانون… لا تعود الأوطان.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.