*رمضان محجوب… يكتب :* *المسلمي.. شموخ الترجل*
*رمضان محجوب… يكتب :*
*المسلمي.. شموخ الترجل*

▪️ بمدادٍ يفيض نبلاً وعمقاً، سطر صديقي وأستاذنا المسلمي الكباشي أحرف ترجله عن صهوة جواد فضائية الجزيرة، بعد عقدين من الإبداع المهني والانتماء الوطني الخالص، الذي ظل علامةً فارقة في أدائه الرصين.
▪️ كتب المسلمي عن “الجزيرة” فأنصفها، ولكن التاريخ سينصفه كقائد استطاع أن يدير “مملكة التوتر” في الخرطوم بعقلٍ وازن وقلبٍ جسور، فكان شريكاً في بناء الوعي لا مجرد “ترس” في ماكينة.
▪️ لحظة الوداع التي اختارها في ليلة النصف من شعبان، تحمل في طياتها دلالات النقاء والتحول، وكأنها إشارة إلى أن عهداً جديداً من العطاء قد بدأ، وأن “الفكرة” التي تشرّبها لن تموت برحيله عن الشاشة، بل ستزهر في ميادين أخرى.
▪️ نحن الذين عاصرنا المسلمي في خنادق الحبر، نعلم أن “أنا وهم والجزيرة” ليست مجرد ذكريات، بل هي “مانفستو” مهني متكامل، سطر فيه الكباشي كيف تكون السيادة للمهنة في أحلك الظروف.
▪️لم ينحنِ الرجل أمام العواصف، ولم يبع مداده في أسواق النخاسة السياسية، بل ظل وفياً لإرث “الكباشي” وشمالي الخرطوم التي استل منها عناده الجميل وصبره على المكاره، فكان خير من يمثل صوت السودان في المحافل الدولية.
▪️لم يكن المسلمي في ردهات “الجزيرة” مجرد مدير مكتب، بل كان سفيراً للوعي، وحارساً للحقيقة في زمنٍ تاهت فيه البوصلة، حيث صاغ من وهج الكلمة درعاً للوطن، ومن توتر الميدان منارةً للمعرفة، فاستحق أن يكون “أيقونة” اعلامية يُشار إليها بالبنان كلما ذكرت المهنية في أسمى تجلياتها.
▪️ ليس الترجل -يا صديقي- آخر المطاف الإبداعي، بل هو وقفة المحارب ليستكشف آفاقاً أرحب، فمن كان بمثل قامتك السامقة، لا يحده سقف مؤسسة ولا يطويه تقاعد عن العطاء.
▪️ كلماتك التي ودعت بها “الجزيرة” لم تكن مجرد نصٍ إنشائي، بل كانت “بيان حال” لجيلٍ تعلّم منك أن الاعلام موقف قبل أن يكون سبقا او خبراً، وأن الانتماء للمؤسسة لا ينفصل عن الانتماء للأرض والناس، فتركت خلفك إرثاً يصعب على القادمين تجاوزه أو محاكاته بذات الألق.
▪️ المسلمي قامة إعلامية شاهقة، تتقاصر دونها كل التجارب التي حاولت استنساخ حضوره أو السير في دروبه الوعرة، فقد صهرته المحن ، وصقلته التجارب في بلدٍ لا يهدأ غباره.
▪️ هذا الرصيد الهائل من الخبرات التراكمية، وهذا الفهم العميق لتعقيدات المشهد السوداني، يحتم على الدولة ألا تترك هذا “الكنز” لزوايا النسيان أو العمل الخاص فحسب.
▪️ الاستفادة من المسلمي اليوم أصبحت ضرورة وطنية ملحة، ونرى أن تعيينه مديراً عاماً لهيئة الإذاعة والتلفزيون هو الخطوة المنطقية لإعادة الروح لإعلامنا الرسمي، وإن كانت هذه المؤسسة -بوضعها الراهن- تبدو دون قامته وخبرته الثرة، إلا أنه الرجل القادر على إعادة صياغتها وبنائها من جديد.
▪️ سلامٌ على المسلمي البشير الكباشي في يوم ترجله، وسلامٌ على القلم الذي لم يرتجف، والصوت الذي لم يهن، والمهنية التي ظلت شعاراً ودثاراً.
