خبر وتحليل | عمار العركي : *التطورات الإثيوبية … سلام يتآكل و صراع يتسع*
خبر وتحليل | عمار العركي :
*التطورات الإثيوبية … سلام يتآكل و صراع يتسع*

▪️تتراكم المؤشرات في المشهد الإثيوبي بوتيرة متسارعة نحو سيولة سياسية والأمنية. تزامناً مع تصريحات رئيس الإدارة المؤقتة في تيغراي، ” الفريق تاديسي وردي” ، التي شدد فيها على التمسك بالسلام، جاءت هذه المرة في سياق مختلف، إذ تزامنت مع خطاب تصعيدي لرئيس الوزراء ” أبي أحمد ” داخل البرلمان الإثيوبي، أعلن فيه صراحة ضرورة إخضاع أراضي “غرب تيغراي للاستفتاء” ، في طرح يشكّل خرقًا واضحًا للدستور والقانون الإثيوبيين، باعتبار أن هذه الأراضي لا تُعد متنازعًا عليها، بل تتبع لتيغراي جغرافيًا ودستوريًا وقانونيًا.
▪️ هذا الطرح لا يمكن فصله عن المسار العام الذي تتبعه الحكومة الفيدرالية في إدارة ملف ما بعد حرب تيغراي، حيث يجري تفريغ اتفاق بريتوريا من مضمونه السياسي والقانوني، وتحويله إلى مظلة مؤقتة لإعادة ترتيب النفوذ بالقوة الناعمة حينًا، وبالضغط العسكري حينًا آخر. فالدعوة إلى الاستفتاء هنا لا تعكس رغبة في حل ديمقراطي، بقدر ما تعبّر عن محاولة لإعادة تعريف الوقائع على الأرض سياسيًا، وفرض أمر واقع جديد تحت غطاء دستوري ملتبس.
▪️توازياً مع ذلك، تتسع رقعة الاضطراب خارج تيغراي، إذ يشهد “إقليم جامبيلا” توترات ونزاعات مسلحة بين قبيلتي “الأنواك والنوير”، في صراع تتداخل فيه الولاءات السياسية بين معارضين لنظام أبي أحمد ومؤيدين له، خطورة هذه التطورات لا تكمن فقط في طبيعتها القبلية، بل في نتائجها المباشرة، بعد مقتل “قائد شرطة الإقليم”، ومحاولة اغتيال “قائد الجيش” في جامبيلا، ما يعكس مستوى الانفلات الأمني، ويكشف هشاشة سيطرة الدولة في الأقاليم الطرفية.
▪️إقليمياً ، دخل التوتر بين أديس أبابا وأسمرا مرحلة غير مسبوقة من العلنية. فقد نفت إريتريا بشدة الاتهامات التي وجّهها رئيس الوزراء الإثيوبي بشأن محاولة اجتياح عاصمة اقليم تيقراي “مكلي” ، واعتبرت أن حزب الازدهار الحاكم يقود حملة سياسية وإعلامية ضدها، تهدف إلى التدخل في سيادتها. البيان الإريتري حمل لغة حازمة، أكد فيها أن السيادة الإريترية غير قابلة للتفاوض، وأن التصريحات الإثيوبية لن تمر دون رد، مشيرًا بوضوح إلى أن جوهر الخلاف يتمحور حول سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري.
▪️هذا التراشق السياسي، مقرونًا بتحركات عسكرية إثيوبية باتجاه الجبهات الشمالية في إقليم الأمهرة، وتواتر أنباء عن اشتباكات في الإقليم العفري، إضافة إلى التحذيرات البريطانية لرعاياها من السفر إلى عدة أقاليم إثيوبية، يعكس أن حالة عدم الاستقرار لم تعد محصورة في ملف واحد، بل باتت شاملة، وتمس بنية الدولة الإثيوبية نفسها، سياسيًا وأمنيًا.
▪️في هذا السياق، يبدو أن خطاب السلام الذي تتبناه الحكومة الإثيوبية لم يعد متسقًا مع ممارساتها على الأرض. فبينما يُعاد إنتاج خطاب التهدئة رسميًا، تُفتح في الوقت ذاته ملفات شديدة الحساسية، مثل غرب تيغراي، وتُدار الصراعات الإقليمية بمنطق الاحتواء الأمني لا الحل السياسي، ما يجعل من الحرب احتمالًا قائمًا، حتى وإن لم تُعلن رسميًا.
أما بالنسبة للسودان، فإن تداعيات هذا المشهد لا يمكن التقليل من شأنها. فاستمرار حالة السيولة الأمنية في شرق وشمال إثيوبيا، واتساع بؤر النزاع في جامبيلا والأمهرة وتيغراي، ينعكس مباشرة على الحدود السودانية، سواء عبر زيادة مخاطر التهريب وتدفق السلاح، أو عبر تنشيط الجماعات المسلحة العابرة للحدود، فضلًا عن الضغوط الإنسانية المحتملة. كما أن أي تصعيد إثيوبي–إريتري سيضع السودان في بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا، في وقت يعاني فيه أصلًا من تحديات أمنية وسياسية داخلية.
*خلاصة القول ومنتهاه*
▪️إثيوبيا تقف اليوم عند مفترق طرق خطير. سلام لم يترسخ، وحروب لم تُغلق ملفاتها، وتوترات إقليمية تتداخل مع أزمات داخلية، في معادلة تجعل من الاستقرار حالة مؤجلة، ومن الانفجار احتمالًا مفتوحًا. وبين خطاب السلام وإدارة الصراع، تتبدد فرص التسوية، وتعود الحرب، ولو بأشكال جديدة، إلى واجهة المشهد.
