*اليسار السوداني و هندسة خطاب الكراهية* أدريس البغدادي
*اليسار السوداني و هندسة خطاب الكراهية*
أدريس البغدادي
لم تكن الأزمات الإجتماعية و السياسية التي تعصف بالسودان وليدة الصدفة ، بل هي نتاج عملية (هندسة) دقيقة لخطاب الكراهية ، تولى كبرها اليسار السوداني بمختلف واجهاته . لقد إضطلع اليسار بدور تاريخي و مسؤول في تحويل التباينات الثقافية الطبيعية إلى صراعات وجودية ، متخذاً من “قضية الهامش” رافعة سياسية ليس لإنصاف المظلومين ، بل لضرب إستقرار الدولة و تفكيك مركزها التاريخي (الشمال والوسط) . إن مسؤولية اليسار تكمن في “أدلجة” المظالم التنموية و تحويلها إلى أحقاد إثنية و مناطقية ، مستهدفاً بذلك تمزيق النسيج الأجتماعي الذي ظل متماسكاً لقرون .
توظيف الأدب و الفنون في تعميق الكراهية
عمل اليسار على بناء ترسانة من القوة الناعمة ، إستخدمت الأدب و الفن كأدوات لتشريح المجتمع و إعادة صياغته على أسس عدائية . لم يعد الفن وسيلة للوحدة ، بل صار معولاً لهدم الهوية الجامعة :
الرواية و “شيطنة الشمال” : برزت أعمال روائية لأسماء محسوبة على الدوائر اليسارية ، مثل كتابات يحيى فضل الله في قضايا الهامش و عبد العزيز بركة ساكن في “مسيح دارفور” و منصور الصويم في “ذاكرة الشرير” و”تخوم الرماد”. هذه الأعمال لم تكتفِ بنقد الأخطاء السياسية ، بل عمدت إلى تقديم صورة نمطية “مشوهة” للمكونات العربية في الشمال و الوسط ، و صورتهم كقوى إبادة غاشمة و مستعمرين داخليين ، مما غذى مشاعر الثأر لدى المكونات الأخرى .
المسرح و السينما التحريضية : استُخدمت خشبات المسرح والمنصات السينمائية لتجسيد “الصراع الثقافي” كصراع بقاء . كوادر يسارية عملت في هذا الحقل قامت بتصوير المركز ككيان “استعلائي” يمارس القهر الممنهج ، مما جعل المواطن في الأطراف يشعر بالغربة و العداء تجاه عاصمة بلاده و مؤسساتها السيادية .
الكوادر والواجهات : لعبت واجهات ثقافية مثل “مركز عبد الكريم ميرغني” دوراً في تسليط الضوء حصرياً على السرديات التي تخدم أجندة “الهامش ضد المركز” ، و تقديم الجوائز للأعمال التي تكرس للإنفصال الوجداني .
العور الثقافي .. غياب الضحية الشمالية في أدب اليسار
النقطة الأكثر إيلاما في “هندسة اليسار” للأدب هي التجاهل المتعمد و الكامل لمآسي الشماليين . فبينما فاضت أقلامهم بالروايات والمسرحيات عن انتهاكات الهامش (الحقيقية و المتخيلة) :
تصفير المعاناة : لم ينتج اليسار السوداني عملاً إبداعياً واحداً (رواية ، مسرحية أو فيلماً) يتناول الإبادات و القتل و التهجير القسري الذي تعرض له الشماليون في مناطق النزاعات أو نتيجة الإستهداف العرقي المضاد .
إنعدام التوازن الإنساني : هذا الغياب ليس عفوياً ، بل هو قرار أيديولوجي يهدف إلى تجريد “الشمالي” من صفة “الضحية” ، و تصويره دائماً في خانة “الجاني” أو “المستعلي”. هذا الصمت المطبق أمام دماء الشماليين وأهل الوسط يكشف زيف الشعارات الإنسانية التي يتشدق بها اليسار ، و يثبت أن إنتاجهم الفني ليس إلا “سلاحاً سياسياً” موجهاً لخدمة مشروع التفكيك .
مراكز الدراسات و الحقوقية.. العقل المدبر للخطاب
تُشكل المراكز البحثية و المنظمات الحقوقية “غرف العمليات” التي صاغت المصطلحات التفكيكية وصدّرتها للعالم :
مركز الخاتم عدلان (KACE) : قاد هذا المركز ، عبر شخصيات مثل الباقر العفيف ، حملة فكرية منظمة لشيطنة الهوية الشمالية . كتابه “متاهة قوم سود ذوي ثقافة بيضاء” يُعد المانيفستو الأساسي لضرب التماسك الثقافي في الشمال ، عبر إتهام سكانه بـممارسة القمع الثقافي ضد الأخرين .
مركز الدراسات السودانية : بإشراف د. حيدر إبراهيم علي ، ركز هذا المركز على نقد “البنية العروبية” للمجتمع ، معتبراً أن الدولة السودانية منذ الإستقلال هي دولة “فاشلة” بسبب هيمنة “النخبة الشمالية” ، مما وفر مسوغاً فكرياً للحركات المتمردة للمطالبة بتهديم أركان الدولة بدلاً من إصلاحها .
المفكرون والمنظرون : أسماء مثل د. منصور خالد بكتبه (الفجر الكاذب) و (النخبة السودانية و إدمان الفشل) ، ساهمت في صياغة لغة سياسية تجعل من “الشمال” متهماً دائماً ، و تحول (السودان الجديد) من رؤية للمواطنة إلى مشروع لتفكيك الهوية التاريخية للمركز .
ملف التمويل و أجندة الوكلاء
خلف هذا الحراك الثقافي و الحقوقي ، تبرز شبكة تمويل ضخمة و معقدة تضمن إستمرارية خطاب الكراهية :
المصادر الدولية : تعتمد هذه المراكز والواجهات اليسارية على تمويل مباشر من منظمات دولية مثل (USAID) و الـ (NED) و منظمة (Open Society) . هذا التمويل ليس تبرعاً ، بل هو استثمار في (نخب وكيلة) تنفذ أجندة إعادة هندسة المجتمع السوداني بما يتوافق مع الرؤى الغربية .
صناعة “الغبن” الممول : يتم دفع أموال طائلة لإقامة ورش عمل تهدف لتعبئة المجتمعات المحلية في الشمال و الشرق و الوسط ضد مشاريع التنمية القومية (مثل سدود الشمال) ، عبر تصويرها كأدوات لنهب الموارد ، مما يعطل إستقرار الدولة و يُبقي حالة الإحتقان مشتعلة .
التنسيق بين كوادر اليسار و المنظمات الدولية
هناك تناغم مريب بين تصريحات القيادات اليسارية و التقارير الدولية ، يهدف إلى محاصرة المركز و تأليب الرأي العام العالمي :
التلاعب بالقضايا الإنسانية : ظهر ذلك جلياً في طريقة تناول أحداث “بود مدني” و الجزيرة ، حيث تم الترويج لفرية “إبادة الجنوبيين” بهدف إحداث فتنة كبرى . تصريحات قيادات مثل “خالد سلك” و غيره من كوادر اليسار ، لم تكن مجرد مواقف سياسية ، بل كانت رسائل موجهة للخارج لإستدعاء التدخل ، مما تسبب في إرتدادت خطيرة و انعكس سلباً على سلامة الشماليين المتواجدين في الجنوب .
تزييف الواقع : تعمل هذه الكوادر كـ “مخبرين حقوقيين” يمدون المنظمات الدولية بتقارير مضللة ، تحول أي احتكاك إجتماعي طبيعي إلى “جريمة تطهير عرقي” ممنهجة ، لضمان إستمرار الضغط الدولي على سيادة الدولة .
الإنخراط في الحركة الشعبية و شرعنة التمرد
مثل كودار اليسار “العقل الشمالي” الذي وفر الغطاء الفكري و السياسي للتمرد المسلح :
اليسار في صفوف التمرد : إنخراطت قيادات يسارية وازنة (مثل ياسر عرمان و كوادر الجبهة الديمقراطية) في الحركة الشعبية لتحرير السودان ، ساهم في تحويل التمرد من حركة ذات مطالب مطلبية إلى مشروع أيديولوجي يستهدف “تفكيك المركز” .
الإنتاج الفكري المشرعن للتمرد : قام هؤلاء بصياغة أدبيات الحركة الشعبية بلغة يسارية جاذبة، جعلت من “التمرد المسلح” فعلاً “ثورياً” ضد ما أسموه “هيمنة الشمال”، مما أعطى شرعية أخلاقية و سياسية لكل من حمل السلاح ضد الدولة ، و ساهم في تمزيق وحدة البلاد .
حقيقة المجتمع السوداني بعيداً عن “الهندسة اليسارية”
في الختام ، يجب أن نقر بوضوح .. نعم ، هناك مشاكل اجتماعية تاريخية ، و هناك انتهاكات ارتكبت من أطراف متعددة ، و لكن الحقيقة التي يحاول اليسار طمسها هي أن كل ذلك لم يكن يوماً “عملاً ممنهجاً” أو سياسة تتبناها الدولة و المجتمع في الشمال و الوسط ، بل كانت دائماً “خروجاً على النص العام” و تجاوزات فردية أو ظرفية .
إن الواقع السوداني يكذب خطاب الكراهية المصنوع ، فالتاريخ يشهد أن الجنوبيين حين إشتدت بهم المحن نزحوا إلى الشمال و وجدوا الأمان و الترحاب ، و اليوم نرى أهلنا في دارفور ينزحون نحو مدن الشمال و الوسط ، حيث يجدون أفضل استضافة و أرقى صور التكافل الإجتماعي في بيوت الشماليين قبل معسكراتهم . إن “العنصرية” في السودان مجرد حالات منفردة و منبوذة اجتماعياً ، و ليست سياسة دولة أو ثقافة مجتمع ، و ما فعله اليسار لم يكن إلا محاولة بائسة لتحويل هذه الإستثناءات إلى قاعدة ، سعياً وراء وهم “السودان الجديد” على أنقاض الدولة السودانية المحافظة .
