صدى الأحداث الفاتح الشيخ : يكتب حزب الأمة والتحفّظ على بند العلمانية اتسع الخرق على الراتق
صدى الأحداث
الفاتح الشيخ : يكتب
حزب الأمة والتحفّظ على بند العلمانية اتسع الخرق على الراتق

١. في محاولة جديدة لإظهار خلفيته الإسلامية، تحفّظ حزب الأمة على بند علمانية الدولة في مؤتمر نيروبي. غير أن هذا التحفّظ بدا أقرب إلى محاولة لذرّ الرماد على العيون منه إلى موقف مبدئي حقيقي.
٢. فالدين والقيم الأخلاقية لا يتجزآن، فالكل يعلم أن الحزب تغاضى عن الانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت بحق الشعب السوداني.
٣. وإذا كان الحزب يهدف من وراء ذلك إلى مغازلة قواعده، فإن الحزب لم يعد يملك القواعد التي يمكنه المحافظة عليها بهذا النوع من المناورات السياسية، إذ إن الانتهاكات التي طالت الشعب السوداني لم تستثنِ قواعده وحواضنه الاجتماعية في مناطق تُعد من معاقله التاريخية.
٤. وتشهد على ذلك المآسي التي وقعت في ود النورة والهدي وأجزاء واسعة من كردفان والفاشر وغيرها من المناطق التي تعرض سكانها للقتل والترويع والتهجير.
٥. بل إن المفارقة بلغت حدّاً لافتاً عندما تعرض منزل الإمام الصادق المهدي، رمز الحزب التاريخي، للتخريب والاعتداء، ويومها لم يصدر عن الحزب موقف إدانة واضح وصريح للجهة المسؤولة.
٦. ولم يكن ذلك بسبب العجز عن تحديد المسؤولية، وإنما لأن العلاقة مع التمرد لم تكن محصورة في مستويات قيادية دنيا يمكن تحميلها المسؤولية، بل كانت مشاركة سياسية اتخذت قراراتها داخل دوائر القيادة الأولى.
٧. كما أن عدداً من الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية في دارفور وكردفان التي أعلنت دعمها للتمرد أو وفرت له غطاءً سياسياً واجتماعياً، ترتبط تاريخياً بحزب الأمة أو تنتمي إلى دوائره السياسية.
٨. ولذلك فإن هذه المواقف لا يمكن التعامل معها باعتبارها حالات فردية معزولة أو التنصل منها بسهولة، لأنها تعكس امتدادات سياسية واجتماعية معروفة وموثقة.
٩. لذلك فإن التحفظ على بند العلمانية في مؤتمر نيروبي لا يكفي لإقناع الشارع السوداني بتمسك الحزب بثوابته المعلنة. فالمعيار الحقيقي ليس ما يُكتب في البيانات السياسية، وإنما المواقف العملية وقت الأزمات.
١٠. ومن الصعب على حزب صمت على انتهاكات واسعة، وهادن من حمل السلاح ضد الدولة والمجتمع، بل وارتبط موقفه السياسي بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالمشروع الذي وفر الغطاء لتلك الانتهاكات، أن يقنع الناس بأن خلافه اليوم مع حلفائه يدور حول قضية الهوية أو المرجعية الدينية.
١١. لقد أصبح السؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين: إذا كان الحزب يرى أن العلمانية خطر يستوجب التحفظ والاعتراض، فكيف لم يرَ الخطر نفسه في دعم أو مساندة مشروع سياسي ارتبط بالقتل والنهب والتهجير وتمزيق النسيج الاجتماعي؟
١٢. إن الاعتراض على نصٍ سياسي، مع الصمت عن المآسي التي عاشها ملايين السودانيين، يمثل تناقضاً يصعب تبريره. ولذلك يبدو التحفظ على بند العلمانية أقرب إلى مناورة سياسية متأخرة، جاءت بعد أن اتسع الخرق على الراتق، وفقدت محاولات التجميل والتبرير قدرتها على إقناع الرأي العام أو حجب حقيقة المواقف التي اتخذت خلال هذه الحرب.
تحياتي
الفاتح الشيخ
٣٠ مايو ٢٠٢٦
