الشرطة المجتمعية والعقد الاجتماعي… وحتمية التغيير لتحقيق الأمن المستدام* ✍️ : _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد_ _الثلاثاء 29 محرم 1448هـ الموافق 14 يوليو 2026م_
الشرطة المجتمعية والعقد الاجتماعي… وحتمية التغيير لتحقيق الأمن المستدام
✍️ : _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد_
_الثلاثاء 29 محرم 1448هـ الموافق 14 يوليو 2026م_
_لم تقم الدول عبر التاريخ على القوة وحدها، وإنما قامت على العقد الاجتماعي الذي ارتضاه الناس لحماية الدين والنفس والعقل والمال والعِرض، وتحقيق الأمن والعدل والاستقرار، ومن هذا التوافق نشأت القوانين، وتأسست أجهزة الشرطة لتكون حارسة للنظام العام وحامية لحقوق الإنسان،
وقد أرسى الإسلام هذا المبدأ قبل قرون، فقال _تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]،_
_وقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾_ [المائدة: 2]، فجعل العدل والتعاون أساس_ بناء المجتمع الآمن.
كما حمّل الإسلام المجتمع مسؤولية الإصلاح، فقال رسول الله ﷺ: « _مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (رواه مسلم). وهذا أصلٌ_ راسخ لمبدأ المسؤولية المجتمعية، التي تُعد الركيزة الأساسية لفلسفة الشرطة المجتمعية.
_وقد عبّر الفيلسوف الإنجليزي جون لوك عن جوهر الدولة بقوله: “إن الغاية الأساسية للحكومة هي حماية الحياة والحرية والملكية.” بينما أكد جان جاك روسو أن العقد الاجتماعي هو الأساس الذي تستمد منه السلطة مشروعيتها_ . أما _مؤسس الشرطة الحديثة السير روبرت بيل فقد لخّص فلسفة العمل الشرطي بقوله: “الشرطة هي الجمهور، والجمهور هو الشرطة.”_
وأثبتت التجارب العالمية أن الشرطة التقليدية، مهما بلغت إمكاناتها، لا تستطيع مكافحة الجريمة منفردة، لأن الجريمة وليدة ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية متشابكة، ومن هنا ظهرت الشرطة المجتمعية بوصفها إستراتيجية حديثة تقوم على الشراكة بين الشرطة والمواطنين، والانتقال من رد الفعل إلى الوقاية، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب.
_ولتحقيق هذه الرسالة، تعمل الشرطة المجتمعية على بناء_ الثقة بين الشرطة والمجتمع، وتفعيل الوساطة وإصلاح ذات البين، وإشراك المواطنين في الوقاية من الجريمة، ورعاية الأحداث، وإعادة دمج المفرج عنهم، ودعم الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، باعتبارها جميعاً مؤسسات شريكة في صناعة الأمن.
_ويقول رائد الشرطة الموجهة لحل_ _المشكلات هرمان غولدشتاين: “إن الشرطة الفاعلة هي التي تعالج أسباب المشكلات، لا مظاهرها.”_ وهذا هو جوهر الشرطة المجتمعية، التي تجعل الوقاية مقدمة على العقوبة، والشراكة مقدمة على المواجهة.
ويؤكد القرآن الكريم أن التغيير يبدأ من الإنسان، _قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد_ : 11]، ولذلك فإن نجاح الشرطة المجتمعية مرهون بتغيير الثقافة الأمنية، وترسيخ قيم المسؤولية والتعاون والاحترام المتبادل، وتعزيز الوازع الديني والأخلاقي، فكلما ارتفعت القيم، انخفضت معدلات الجريمة، وازداد الأمن والاستقرار.
_ختاماً… فإن الشرطة المجتمعية ليست إدارةً تنظيمية فحسب، بل هي فلسفة حضارية وإستراتيجية وطنية تجعل الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وتجسد قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾، ليصبح كل فرد شريكاً في حماية وطنه وصناعة_ أمنه.
_والله ولي التوفيق_
