منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد الاخر د مصعب بريــر غضب “النينو” يقترب.. حصادنا بين نيران الجفاف وطوفان الغرق ..!

0

البعد الاخر

د مصعب بريــر

غضب “النينو” يقترب.. حصادنا بين نيران الجفاف وطوفان الغرق ..!

 

يواجه عالمنا اليوم تقلبات مناخية قاسية لم تعد مجرد نشرات أخبار عابرة نتابعها من بعيد، بل واقعاً يطرق أبوابنا بقوة، وفي قلب هذا المشهد تبرز ظاهرة “النينو” كواحدة من أعنف متلازمات التغير المناخي التي تضرب الأرض حالياً. خبراء الأرصاد الجوية حول العالم يطلقون في هذه اللحظات تحذيرات شديدة اللهجة من عودة هذه الظاهرة التي تعبث بأنظمة الطقس، لتهدد بشكل مباشر عصب الحياة الإنسانية: الأراضي الزراعية والمحاصيل. هذه الظاهرة المتمردة لا تعترف بالحلول الوسط، فهي تضرب مناطق بعينها بجفاف حارق ودرجات حرارة غير مسبوقة، بينما تغرق مناطق أخرى بفيضانات ومدمرة، مما يضع الأمن الغذائي العالمي بأسره أمام اختبار تاريخي بالغ التعقيد.

ولأننا في السودان نمثل قلب الزراعة النابض، فإننا نقف في خط المواجهة الأول مع هذا التهديد المناخي العنيف. “النينو” بالنسبة لنا ليست مجرد مصطلح علمي تتداوله وكالات الأنباء، بل هي تحدٍ يومي ومباشر يواجه المزارع في حقله، والراعي في باديته، والمواطن في سوقه. الخطر الأكبر الذي يتربص بأراضينا الخصبة يكمن في التطرف المناخي؛ فقد نشهد موجات جفاف ترهق محاصيلنا الأساسية وتستنزف مصادر مياهنا، أو على النقيض تماماً، قد تباغتنا سيول وفيضانات عاتية تجرف الأخضر واليابس. هذا التذبذب الحاد والمفاجئ يربك مواقيت الزراعة التقليدية التي ألفناها، ويهدد محاصيلنا الاستراتيجية التي نعتمد عليها في قوت يومنا وعافية اقتصادنا.

ولكن مواجهة غضب الطبيعة تتطلب منا وعياً حقيقياً واستعداداً مبكراً يتجاوز مجرد انتظار المواسم ومراقبة السماء. على مزارعينا اليوم، وهم أصحاب الخبرة المتجذرة واليد السمراء التي تعرف أسرار الأرض، التفكير بمرونة أكبر من خلال تبني زراعة أصناف من البذور سريعة النضج والأكثر قدرة على تحمل العطش ومقاومة الجفاف. وعلينا أيضاً الالتفات بجدية لتغيير مواقيت الزراعة لتتواءم مع المزاج المناخي الجديد. وفي المقابل، يقع على عاتق الجهات المختصة والمجتمعات المحلية الإسراع في صيانة قنوات الري وتطهير مجاري ومصارف المياه تحسباً لأي أمطار طوفانية، مع ضرورة تفعيل أنظمة الإنذار المبكر لتصل المعلومة الصادقة والنصيحة السريعة لكل قرية ومدينة قبل وقوع الكارثة، إلى جانب تحويل ترشيد استهلاك المياه إلى ثقافة يومية وسلوك حياة.

بعد اخير:

خلاصة القول، نحن في السودان، وعلى مر العصور، لطالما اختبرنا قسوة الطبيعة وعاندناها بصلابة، وعبرنا سنوات المحن متكاتفين يشد بعضنا أزر بعض. واليوم، ونحن نواجه “النينو” وتقلباتها الغاضبة، نملك من العزيمة، والوعي، والإرث الزراعي ما يكفي لتحويل هذا التحدي الخطر إلى فرصة نعيد فيها ترتيب أوراقنا ونحدث أساليبنا.

وأخيرًا، أرض النيلين ولّادة ومعطاءة، وسواعد أبنائها قادرة دائماً على استنبات الأمل من قلب الأرض الجافة، وحماية زرعهم من غضبة الطوفان، ليبقى السودان دائماً سلة للخير، ومنبعاً لقصص الصمود العظيم التي تلهم الجميع.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاثنين | 27 أبريل 2026م
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.