د. حيدر البدري.. يكتب.. في نقطة سطر جديد تشريح آلة التأليب وانهيار مركزية الإعلام الرسمي.
د. حيدر البدري.. يكتب.. في نقطة سطر جديد
تشريح آلة التأليب وانهيار مركزية الإعلام الرسمي.
هذه الايام في العاصمة السودانية الخرطوم، ، تدور حرب من نوع آخر، حرب لا تقل ضراوة عن المواجهات العسكرية، بل ربما تكون هي من يحدد مسارها ونتائجها. إنها “حرب الكرامة” الاعلامية..
تخوض القوات المسلحة السودانية ضد قوات الدعم السريع المجرمة حربا منذ أبريل 2023، وهي حرب تتجاوز كونها نزاعًا على الأرض والسلطة، لتتحول إلى معركة شرسة على تشكيل الوعي والرأي العام. في هذه الساحة، تلتقي هندسة التأليب النفسي، وغرف العمليات الإعلامية المظلمة، وأزمة الإعلام الرسمي المترنح، مع طوفان “الميديا الجديدة” التي قلبت موازين القوى، لتعيد تعريف مفهوم الدعاية في السودان.
تقليديًا، كان “تأليب الرأي العام” يعني خطابًا ناريًا من زعيم أو حملة افتتاحيات صحفية. أما اليوم، فقد أصبح علمًا تطبيقيًا يعتمد على تحليل البيانات الضخمة وعلم النفس السلوكي. لم يعد الهدف الإقناع المنطقي، بل تجاوزه إلى استثارة “الدماغ الزاحف” لدى المتلقي، أي الجزء المسؤول عن الخوف والغضب والانتماء القبلي.
تشير التحليلات الإعلامية إلى أن التأليب الحديث يقوم على ثلاثية التكرار، التسطيح العاطفي، واختلاق العداء. يتم تحويل القضايا السياسية المعقدة إلى ثنائيات أخلاقية حادة “نحن الخير وهم الشر المطلق”. في السياق السوداني، تم اختزال “حرب الكرامة” إعلاميًا من عملية عسكرية معقدة لفرض هيبة الدولة ضد قوات متمردة، إلى سرديتين متناقضتين تمامًا: “معركة وجود ضد مليشيا إرهابية” في مقابل “حرب على الشعب من بقايا النظام البائد”. كلتا السرديتين تخاطبان الغرائز، وتُغلقان أي مساحة للنقاش الرمادي، وهو ما يُعد الهدف النهائي لآلة التأليب: وهو :تفكيك العقل النقدي الجمعي.
في الظل، بعيدًا عن كاميرات القنوات الفضائية، تعمل “الغرف الإعلامية”. هذه الكيانات، التي تطورت من مجرد صفحات منسقة على فيسبوك إلى كيانات شبه عسكرية افتراضية، تمتلك ترسانات رقمية كاملة. هي لا تكتفي بنشر الأخبار، بل تصنعها. تمتلك هذه الغرف بنوك صور وفيديوهات جاهزة للتركيب، وتدير جيوشًا من الحسابات الوهمية “الذباب الإلكتروني” التي تعمل بتقنيات “الإيعاز” (Astroturfing) لإيهام الجمهور بوجود رأي عام جارف ومؤيد لطرح معين، بينما هو في الحقيقة مُصنع بالكامل.
خلال ذروة “حرب الكرامة”، رصدت جهات حكومية ومستقلة شبكات منظمة من الحسابات الوهمية تديرها أطراف النزاع. فمن جهة، تحدث وزير الثقافة والإعلام السوداني خالد الإعيسر عن “حملات إعلامية مبرمجة تديرها غرف تابعة للمليشيا لتضليل الرأي العام”.
أصبحت هذه الغرف “وزارات دفاع معنوي” غير رسمية، توازي في تأثيرها الضربات الجوية، لأنها تستهدف شرعية الخصم في المحافل الدولية، وتستخدم أدوات الجيل الخامس من الحروب النفسية، حيث “يُسوَّق العدوان كمبادرة سلام، وتُقدَّم الخيانة كحياد مهني”.
وسط هذا الصخب الافتراضي، يقف الإعلام الرسمي السوداني كمريض في غيبوبة إكلينيكية. المؤسسات الإعلامية الحكومية، التي ظلت لعقود تحتكر “صوت الدولة”، وجدت نفسها عاجزة عن مواكبة سرعة وتشظي الإعلام الجديد، بل وعانت من ضربة قاسمة في بداية الحرب. ففي 15 أبريل 2023، سيطرت قوات الدعم السريع على مقر التلفزيون الحكومي في أم درمان واحتجزت العاملين فيه لأسابيع، في مشهد يلخص انهيار مركزية الإعلام الرسمي.
المشكلة ليست تقنية فحسب، بل وجودية. هذه المؤسسات بُنيت على فكرة “الصوت الواحد”، بينما قامت ثورة المعلومات على مبدأ تعدد الرواة وتفكيك السرديات الكبرى. لقد تسببت الحرب في تدمير نحو 95% من البنية التحتية للإعلام في السودان، وتدمير أو نهب أكثر من 60 مؤسسة إعلامية، ومقتل 35 صحفيًا على الأقل، وتشريد أكثر من 400 صحفي اضطروا للعمل من المنفى. خطاب النشرات الرتيب، الذي يعتمد على البيانات الرسمية، لا يمكنه الصمود أمام فيديو “ترند” مدته 30 ثانية من قلب المعركة، حتى لو كان مفبركًا. الإعلام الرسمي يخاطب العقل بمنطق القانون والمؤسسات، بينما تخاطب الميديا الجديدة الوجدان بمنطق القبيلة والعاطفة، فكانت النتيجة أن انسحب “المواطن” من فضاء المواطنة إلى “الجمهور” الغارق في فضاء الانتماءات الأولية.
قوة الميديا الجديدة في زمن الحرب لا تكمن في التكنولوجيا فقط، بل في أنها “ديمقراطية” أدوات الإنتاج الإعلامي. لم يعد الجندي مجرد مقاتل يحمل بندقية، بل أصبح مراسلًا حربيًا يبث مباشرة عبر فيسبوك. ربة المنزل في الخرطوم أو بورتسودان أصبحت تلتقط بصوتها رسالة تحريض أو تضامن تنتشر أسرع من أي بيان عسكري. هذا هو “المقاتل/الإعلامي”، الظاهرة الأهم في حروب الجيل الرابع.
أيها السادة : إن إعادة بناء إعلام رسمي ذي مصداقية لم يعد ترفًا، بل هو مسألة أمن قومي وجودي للسودان. لكن هذا البناء لن يحدث من خلال المزيد من الرقابة أو إصدار القنوات الحكومية المملة، بل من خلال فهم قواعد اللعبة الجديدة: السرعة، الشفافية، والاعتراف بأن الجمهور لم يعد “متلقيًا” سلبيًا، بل شريكًا في صناعة المعنى. الدرس الأهم من حرب الميديا في السودان هو أنه في مواجهة غرف التأليب المظلمة، لا يكون السلاح الأمثل هو غرفة مظلمة مضادة، بل صحافة حرة، ناقدة، وسريعة، تعيد بناء جسور الثقة مع مواطن سئم أن يكون مجرد هدف في حرب لا يختارها، على ساحة معركة اسمها عقله.
علينا مراجعة فهمنا للاعلام نفسه.
نقطة سطر جديد.
