*بدر الدين اسحاق احمد يكتب :* *لجان الحقيقة الرقمية في السودان* *نحو عدالة انتقالية مجتمعية تداوي جراح الحرب*
*بدر الدين اسحاق احمد يكتب :*
*لجان الحقيقة الرقمية في السودان*
*نحو عدالة انتقالية مجتمعية تداوي جراح الحرب*
في ظل الحرب المدمرة التي يعيشها السودان تتزايد الحاجة إلى مشروع وطني يعالج آثار الانتهاكات ويمنع تحول الجراح إلى دائرة مستمرة من الثأر والانقسام.
يبرز مشروع لجان الحقيقة الرقمية المجتمعية كصيغة حديثة للعدالة الانتقالية تعتمد على المشاركة الشعبية والتكنولوجيا في آن واحد.
يقوم المشروع على تأسيس لجان حقيقة محلية داخل الولايات السودانية تعمل عبر منصة رقمية موحدة وتضم قضاة سابقين، وقيادات أهلية، ونساء، وشباب، إضافة إلى مختصين نفسيين وقانونيين. ويهدف هذا التنوع إلى ضمان تمثيل مجتمعي واسع يعكس طبيعة المجتمع السوداني وتعدد مكوناته.
وتتولى هذه اللجان استقبال الاعترافات والشهادات المتعلقة بالانتهاكات التي وقعت أثناء الحرب عبر وسائل رقمية آمنة وسهلة الوصول بما يسمح للضحايا والشهود وحتى المتورطين في الانتهاكات بتقديم رواياتهم دون تعقيدات إجرائية أو عوائق جغرافية.
ولا تتوقف مهمة اللجان عند جمع المعلومات بل تمتد إلى مراجعة الاعترافات والتحقق من صحتها عبر الشهود والأدلة والربط بين الروايات المختلفة بهدف الوصول إلى صورة أقرب للحقيقة بعيد عن التوظيف السياسي أو الانتقائي للعدالة.
ويحاول المشروع الربط بين العدالة والصلح المجتمعي إذ لا ينظر إلى الاعترافات باعتبارها مجرد وثائق قانونية بل كمدخل لمعالجة الانقسامات الاجتماعية وفتح أبواب المصالحة داخل المجتمعات المتضررة من الحرب.
كما يمنح المشروع النساء والشباب دور محوري في صناعة السلام باعتبارهم من أكثر الفئات تضرر من النزاعات المسلحة وأكثر قدرة على بناء جسور الحوار والتعايش في المستقبل.
ومن الجوانب المهمة أيضا وجود مختصين نفسيين داخل اللجان للمساعدة في معالجة آثار الصدمات النفسية التي خلفتها الحرب سواء لدى الضحايا أو حتى لدى بعض المشاركين في أعمال العنف بما يهيئ بيئة أكثر استعدادا للتسامح وإعادة الاندماج المجتمعي.
وتسعى لجان الحقيقة الرقمية كذلك إلى إنشاء أرشيف وطني رقمي يوثق الشهادات والانتهاكات بهدف حفظ الذاكرة الوطنية ومنع إنكار الجرائم أو طمسها مع مرور الزمن خاصة في ظل ضعف مؤسسات التوثيق التقليدية أثناء الحروب.
أن آليات الاعتراف العلني والاعتذار والتعويض المجتمعي يمكن أن تسهم في تقليل النزعات الانتقامية والثأرية وتحويل مسار المجتمع من الرغبة في العقاب الجماعي إلى البحث عن التعايش والاستقرار.
أن اعتماد العمل الرقمي المفتوح يعزز من مستوى الشفافية والثقة والقرب من المواطنين ومعززة للتواصل الشعبي المباشر.
لجان الحقيقة الرقمية محاولة لبناء نموذج سوداني جديد للعدالة الانتقالية نموذج لا يكتفي بالمحاسبة وحدها بل يسعى إلى إعادة بناء الثقة بين السودانيين وتهيئة الأرضية لسلام دائم بعد سنوات الحرب والانقسام.
*بدر الدين إسحاق أحمد*
١٨ مايو ٢٠٢٦م
*شمبات*ج
