الخماسية و New Look.. الدعم السريع وقحت
الخماسية و New Look.. الدعم السريع وقحت
١. بعد أن تَبيّن لرعاة المشروع الغربي حجم الرفض الشعبي السوداني لمشروعهم وأدواته، وفي مقدمتها الدعم السريع وقحت ومكوناتهما، ظلوا يبحثون عن صيغة للالتفاف على هذا الرفض عبر إعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني، بما يسمح بإعادة تقديم الأطراف التي فقدت رصيدها الشعبي أو تضررت صورتها بفعل ارتباطها المباشر أو غير المباشر بتداعيات الحرب.
٢. في هذا الإطار، جاءت دعوة مجموعة “تأسيس” إلى اجتماعات الخماسية في أديس أبابا، ويبدو أن هذا الملف كان أحد المحاور الرئيسية في تلك الاجتماعات، بينما شُغلت بقية الأطراف المدعوة بخلافات جانبية حول إمكانية إشراك المجموعة الرابعة، وحول أسباب دعوة مجموعة “تأسيس” نفسها.
٣. هذه النقاشات داخل الكتلة الديمقراطية ساهمت في تعميق التباينات الداخلية، وخدمت عملياً هدف تفكيك الاصطفاف وإعادة تشكيله بما يسهل إدارة المشهد لاحقاً.
٤. ومع انشغال الأطراف المشاركة بهذه الخلافات، تحدثت تسريبات عن لقاءات منفصلة بين مجموعة “تأسيس” والآلية الخماسية، في خطوة بدت أقرب إلى البحث عن واجهة سياسية جديدة تحت مسمى “تحالف التأسيس”.
٥. ووفق هذه القراءة، يراد لتحالف التأسيس أن يكون إطاراً سياسياً أوسع يستوعب مكونات الحرية والتغيير والقوى المتحالفة معها، إلى جانب أطراف من الكتلة الديمقراطية، بحيث يمنح المشروع قدراً أكبر من القبول السياسي والتنوع الشكلي.
٦. كما يبدو أن من أهداف هذا الترتيب إبعاد اسم الدعم السريع ومسميات قحت عن واجهة المشهد، في محاولة لفصل الإرث السياسي والعسكري المرتبط بمرحلة ما بعد الإطاري، خصوصاً ما يتصل بالدعم السريع وقوى قحت، أملاً في تخفيف الأعباء السياسية والأخلاقية التي التصقت بهذه التجربة.
٧. لكن جوهر الإشكال لا يتعلق بتبديل المسميات، فوقائع ما قبل الحرب وأثناءها ما تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية. وإزالة اسم الدعم السريع من الواجهة السياسية لا تعني تجاوز الأسئلة المتعلقة بالحرب والانتهاكات والدمار والنزوح، كما أن تغيير اللافتات السياسية لا يلغي الجدل العميق حول تجربة حكم قحت وما صاحبها من إخفاقات وتناقضات.
٨. كما أن إشراك الكتلة الديمقراطية في هذه الترتيبات لا يغير كثيراً من جوهر الإشكال إذا كانت النتيجة النهائية هي إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأدوات مختلفة، فالتعدد في الواجهة لا يعني بالضرورة اختلاف المحتوى.
٩. وفي المقابل، فإن أي افتراض بأن استبعاد بعض القوى، كالإسلاميين، أو إعادة هندسة التحالفات، أو تجميع مكونات متباينة قسراً، يمكن أن يقود إلى استقرار سياسي مستدام، يتجاهل طبيعة التناقضات العميقة بين الفاعلين، حتى داخل المكونات التي يراد تجميعها، بل وحتى داخل المكون الواحد، كما يظهر في الخلافات المتكررة داخل معسكر الدعم السريع نفسه.
١٠. وكل ذلك يزيد من تعقيد فرضية بناء الاستقرار عبر إعادة تجميع مكونات متباينة قسراً، ويعكس هشاشة البنية السياسية لهذه التحالفات، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرتها على إنتاج استقرار حقيقي إذا ما أُعيد تقديمها في السلطة أو الشراكة.
١١. ومن اللافت أن هذه التحركات تجري وسط صمت من السلطة القائمة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة التسويات الجارية.
١٢. فإن عدم توضيح ما يجري في الكواليس يُعد في حد ذاته مؤشراً على أن ما يُطبخ في الخفاء لا يحظى بقبول شعبي واسع، وهو بلا شك يخصم من رصيد التفاعل الشعبي مع أي ترتيبات مستقبلية.
١٣. ومن جانب آخر، على الكتلة الديمقراطية أن تراجع موقفها بدقة، وأن تتحلى بالصبر السياسي، وأن تقترب أكثر من نبض الشارع، حتى لا تجد نفسها لاحقاً في موقع الندم على خيارات لم تُبنَ على قراءة واقعية لموازين القوى.
١٤. وفي النهاية، قد ينجح مشروع تغيير الاسم من “حكومة تأسيس” إلى “تحالف التأسيس”، لكنه سيظل تغييراً في الشكل، ولن ينجح في إقناع السودانيين بأن المحتوى قد تغير فعلاً، لا مجرد الواجهة.
١٥. فالقضية ليست قضية أسماء أو شعارات. فالدعم السريع قد يختفي من الأوراق، وقد تظهر قحت بمسميات جديدة، وقد يعاد تشكيل التحالفات مراراً، لكن ذاكرة الشعوب لا تُعاد هندستها بالسهولة نفسها.
تحياتي
الفاتح الشيخ
13/يونيو/2026
