القرار الأخير بين الاحتكار وغياب الدولة
القرار الأخير
بين الاحتكار
وغياب الدولة
١. جاء قرار الدولة الأخير المتعلق بإلغاء السوق الموازي للسلع الاستراتيجية وتفعيل شركات الجيش في ظروف اقتصادية استثنائية، اتسمت باضطراب سوق النقد الأجنبي وتصاعد أسعار الوقود وتزايد الضغوط المعيشية على المواطنين. ولذلك فإن النظر إلى القرار بمعزل عن الظروف التي أملته قد يقود إلى استنتاجات غير دقيقة.
٢. فالدولة مسؤولة في المقام الأول عن حماية الأمن الغذائي والدوائي والطاقي لمواطنيها، وعندما تصل بعض السلع الاستراتيجية إلى مرحلة تصبح فيها أداة للابتزاز أو المضاربة أو صناعة الأزمات، فإن تدخل الدولة يصبح حقاً مشروعاً وواجباً لا يمكن التنصل منه.
٣. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بالقرار نفسه، وإنما بما بعد القرار. فهل هو إجراء استثنائي فرضته ظروف استثنائية أم أنه يمثل تحولاً دائماً في إدارة السوق؟ ذلك أن الاقتصادات لا تُدار بالحلول المؤقتة وحدها، كما لا يمكن أن تبقى في حالة طوارئ اقتصادية مستمرة.
٤. فهناك فرق بين أن تتدخل الدولة لحماية السوق وبين أن تحل محل السوق. كما أن هناك فرقاً بين الرقابة والتنظيم من جهة والاحتكار من جهة أخرى. ولذلك فإن نجاح القرار سيظل مرتبطاً بكونه جزءاً من معالجة أوسع لأسباب الخلل، لا مجرد استجابة لحظة أزمة.
٥. وللأسف، ترسخ خلال العقود الماضية فهم مغلوط لمفهوم الاقتصاد الحر، حتى أصبح البعض يتعامل مع أي رقابة أو تنظيم باعتبارهما خروجاً على قواعد السوق.
٦. بينما الحقيقة أن الاقتصاد الحر لا يعني غياب الدولة، وإنما يفترض وجود دولة قوية قادرة على وضع القواعد ومراقبة تنفيذها وفرضها على الجميع دون استثناء.
٧. فالدولة لا تنافس القطاع الخاص في غالب الأنشطة الاقتصادية، لكنها تظل المدير الأعلى للسوق والحارس لقواعده. كما أن هناك سلعاً وأنشطة ذات طبيعة سيادية أو أمنية تظل من صميم اختصاص الدولة ومسؤولياتها المباشرة، ولا يمكن إخضاعها بالكامل لمنطق الربح والخسارة أو حسابات السوق التقليدية.
٨. وما حدث خلال السنوات الماضية يكشف أن المشكلة لم تكن في قوة التجار أو رجال الأعمال وحدها، وإنما في ضعف أدوات الدولة نفسها. فليّ ذراع الحكومة في بعض الملفات لم يكن نتيجة نفوذ القطاع الخاص فحسب، بل نتيجة وجود ثغرات قانونية ورقابية ومؤسسية سمحت بذلك.
٩. ويكفي النظر إلى ما جرى في بعض ملفات الذهب والنقد الأجنبي لفهم حجم الخلل. فرغم أن السودان من الدول المنتجة للذهب، ما يزال احتياطي النقد الأجنبي أقل كثيراً مما ينبغي ؛وما تزال قدرة البنك المركزي على التدخل الفعال في سوق الصرف محدودة.
١٠. كما كشفت بعض الوقائع أن مراكز نفوذ اقتصادية باتت قادرة على ليّ ذراع الدولة والتأثير في بعض قراراتها الاقتصادية. غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في قوة هذه المجموعات بقدر ما تكمن في ضعف الأدوات الحكومية التي سمحت بحدوث ذلك…
١١. فالدولة القوية لا تُدار بسياسات ردود الأفعال، وإنما بمؤسسات وقوانين ورقابة تجعل المصلحة العامة أعلى من أي نفوذ خاص فضعف الرقابة على الجهاز المصرفي ما زال يمثل إحدى حلقات الأزمة.
١٢. أن قبضة بنك السودان على بعض الأنشطة المصرفية لا تزال بحاجة إلى مزيد من القوة والفعالية، بما يضمن إحكام الرقابة على حركة الأموال وحصائل الصادر والتدفقات النقدية.
١٣. وإلى جانب ذلك، ما يزال السودان يفتقر إلى بعض الأدوات الأساسية التي تساعد الدولة على ضبط الأسواق وتعظيم عائدات الإنتاج، مثل البورصات المتخصصة وصوامع التخزين الحديثة.
١٤. فهذه المؤسسات ليست مجرد منشآت خدمية، وإنما أدوات اقتصادية ورقابية تساعد على تنظيم الإنتاج والتسويق والتخزين.
١٥. كما أن الربط الشبكي الإلكتروني بين المؤسسات الحكومية ما زال دون المستوى المطلوب، رغم أنه يمثل أحد أهم أدوات الضبط والرقابة واتخاذ القرار في الدولة الحديثة.
١٦. فمن غير المنطقي أن يتمكن شخص من التهرب من التزاماته الضريبية أو الجمركية، ثم يحصل في الوقت نفسه على تمويل مصرفي أو تسهيلات حكومية بسبب غياب قواعد البيانات المشتركة وضعف تبادل المعلومات بين المؤسسات المختلفة. كما أن بعض الأفراد يستطيعون تنفيذ نشاط تجاري أو صفقة كبيرة عبر شركة أو اسم تجاري معين، ثم يتركون التزاماتهم المالية والقانونية خلفهم لينتقلوا ببساطة إلى نشاط آخر أو اسم تجاري جديد ؛فالدولة الحديثة لا تُدار بالأوراق والملفات المنعزلة، وإنما بالمعلومات الدقيقة والمتاحة في الوقت المناسب.
١٧. أن ضعف الرقابة في بعض المؤسسات ذات الصلة بالنشاط الاقتصادي، وعلى رأسها وزارة العمل ومسجل عام الشركات، أسهم في خلق بيئة تسمح بالكثير من التجاوزات ؛فهناك شركات لا تتجاوز كونها لافتات وأوراقاً رسمية، لا تملك مقاراً حقيقية ولا هياكل إدارية واضحة، ولا تسهم بصورة مؤثرة في توظيف العمالة الوطنية. بل إن بعضها يُستخدم لتنفيذ صفقة أو نشاط محدود ثم يختفي عملياً دون الوفاء بالتزاماته تجاه الدولة.
١٨. ولذلك فإن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص لا ينبغي أن تقتصر على منح التراخيص والتسهيلات، وإنما يجب أن تقوم أيضاً على التزامات واضحة تتعلق بالتشغيل والإنتاج والامتثال للقوانين وسداد المستحقات العامة. فالتوظيف أحد أهم مظاهر الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، ومن حق الدولة أن تنتظر مقابلاً تنموياً حقيقياً لما تمنحه من مزايا وتسهيلات.
١٩. وفي المقابل، ما تزال ملفات توطين الصناعات الإستراتيجية، وعلى رأسها صناعة الدواء، وتعرفة الكهرباء للقطاع الصناعي، والبنية التحتية الداعمة للإنتاج، تنتظر معالجات جادة؛ فاستقرار سعر الصرف لا يتحقق بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما بزيادة الإنتاج وتقليل الاعتماد على الواردات.
٢٠. كما أن قانون الاستثمار نفسه يحتاج إلى مراجعة شاملة. فليس من المنطقي أن تمنح الدولة مزايا استثمارية واسعة لمشروعات تعتمد بالكامل على مدخلات محلية وتستهدف السوق المحلية، دون أن تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني أو تسهم في جلب العملات الأجنبية أو نقل المعرفة والتقنيات.
٢١. وأصبح من المألوف أن تُصنف أنشطة صغيرة ومحدودة الأثر باعتبارها استثمارات أجنبية، رغم أنها لا تقدم للاقتصاد الوطني ما يبرر ما تحصل عليه من امتيازات. فالغرض من الاستثمار ليس مجرد تسجيل نشاط اقتصادي جديد، وإنما إضافة قيمة حقيقية للإنتاج والتشغيل والصادرات ونقل الخبرات.
٢٢. كذلك فإن المواصفات والرقابة التجارية ما تزالان بحاجة إلى تطوير أكبر وربط مؤسسي أكثر فاعلية، لأن الأسواق لا تستقيم فقط بتوفير السلع، وإنما أيضاً بضمان الجودة والعدالة والشفافية في التداول.
٢٣. ولذلك فإن نجاح القرار الحالي لن يقاس فقط بقدرته على خفض الأسعار أو توفير السلع خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، وإنما بمدى نجاح الدولة في استغلال هذه الفترة لمعالجة الأسباب التي أدت إلى الأزمة أصلاً.
٢٤. كما أن نجاح القرار يقتضي أن يكون مرتبطاً بإطار زمني واضح وأهداف محددة قابلة للقياس والمراجعة. فالتدخل الاستثنائي تبرره الظروف الاستثنائية، أما استمراره إلى ما لا نهاية فيعني أن أسباب الأزمة ما تزال قائمة. ولذلك فإن الفترة التي يمنحها القرار للدولة ينبغي أن تُستغل في سد الثغرات التشريعية والرقابية والمؤسسية التي أفرزت الأزمة، حتى لا تضطر الدولة مستقبلاً إلى العودة إلى الإجراءات نفسها كلما واجهت الأسواق اضطراباً جديداً.
٢٥. فالاحتكار ليس دليلاً على قوة التجار بقدر ما هو دليل على ضعف الدولة. وعندما تضطر الدولة إلى التدخل المباشر لمعالجة اختلالات السوق، فإن ذلك ينبغي أن يكون فرصة لإعادة بناء أدوات الرقابة والضبط والتشريع، حتى لا تصبح التدخلات الاستثنائية بديلاً دائماً عن المؤسسات القوية.
٢٦. إن المطلوب ليس دولة تخرج من السوق تماماً، ولا دولة تحتكر السوق بالكامل، وإنما دولة قوية تدير السوق، وتحمي المنافسة، وتفرض القانون، وتحافظ على التوازن بين حرية النشاط الاقتصادي ومتطلبات المصلحة العامة. وعندها فقط تصبح القرارات الاستثنائية استثناءً حقيقياً، لا قاعدة تتكرر مع كل أزمة.
تحياتي
الفاتح الشيخ
15 يونيو 2026
