منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

قلق صمود   قراءة ما بين سطور مقال  صباح محمد الحسن

0

قلق صمود

قراءة ما بين سطور مقال  صباح محمد الحسن

 

١. في مقالها الأخير، عبّرت صباح محمد الحسن عن بعض القلق الذي يعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، هواجس مجموعة صمود المتعلقة بفرص صعودها إلى السلطة.

٢. وقد ذهبت في تفسير ذلك إلى فرضيات تبدو غير مسنودة بالكامل بالواقع السياسي على الأرض، خصوصاً في ما يتعلق بمواقف دول الإقليم والرباعية الدولية.

٣. افترضت صباح أن بعض دول الإقليم وواجهات أفريقية تميل إلى التمسك بالفريق البرهان، وتساءلت عن دوافع ذلك، في حين أن هذا التصور لا يبدو منسجماً مع لمواقف الإقليمية الحالية.

٤. كما أوردت الكاتبة أن دول الرباعية تدرك أن أي تسوية لن تمنح شرعية للدعم السريع، ولن تقبل بعودة الإسلاميين، وأنها في الوقت ذاته ترى وجود كتلة مدنية جاهزة للحكم.

٥. وانطلاقاً من ذلك طرحت الكاتبة تساؤلاً محورياً: إذا كان الحل يستبعد الدعم السريع والبرهان والإسلاميين، فلماذا لا يتم الدفع مباشرة نحو المسار المدني الذي تمثله قوى مثل صمود؟

٦. غير أن قراءة متأنية للمقال تكشف أن القضية الحقيقية ليست البرهان ولا الإسلاميين، وإنما حالة قلق واضحة داخل دوائر صمود من أن الترتيبات الجارية لا تسير بالاتجاه الذي كانت تتوقعه.

٧. فالمقال لا يبدو منشغلاً كثيراً بما يجري على الأرض بقدر انشغاله بالسؤال: لماذا تأخر تنفيذ المسار الذي كانت تنتظره صمود؟ ولماذا لم تسر الأحداث بالسرعة التي تجعلها تتصدر المشهد باعتبارها البديل الطبيعي للمرحلة القادمة؟

٨. ولهذا جاء حديث الكاتبة عن دول الجوار مثيراً للاستغراب. فهذه الدول لم تُعرف أصلاً بأنها جزء من معسكر البرهان، ولم تكن يوماً صاحبة مشروع لإعادته إلى السلطة كما يصور المقال.

٩. ولذلك بدا الهجوم عليها أقرب إلى مخاطبة العنوان الخطأ. فالمشكلة الحقيقية لا تتعلق بدول الجوار بقدر ما تتعلق بطبيعة المسار السياسي نفسه، وبالجهات التي تملك التأثير الأكبر على اتجاهاته.

١٠. ومن يقرأ المقال يلاحظ أنه ينطلق من فرضية شبه محسومة، مفادها أن استبعاد الدعم السريع، وإبعاد الإسلاميين، وعدم استمرار البرهان، يجب أن يقود تلقائياً إلى صعود القوى المدنية التي تتحدث باسمها صمود.

١١. غير أن السياسة لا تعمل بهذه البساطة. فإسقاط الخصم لا يعني بالضرورة أن تصبح أنت الوريث الشرعي لموقعه، كما أن المشاركة في حملات سياسية ضد طرف معين لا تمنح تلقائياً حق خلافته.

١٢. وربما كانت هذه هي المعضلة التي تواجهها صمود اليوم. فبعد سنوات من النشاط السياسي والإعلامي، لم تنجح حتى الآن في تقديم صورة متفق عليها لبديل دولة قادر على إدارة السودان بكل تعقيداته السياسية والأمنية والاجتماعية.

١٣. ولهذا فإن القلق الظاهر بين سطور المقال يبدو نابعاً من الشك في موقع صمود داخل أي ترتيبات سياسية قادمة.

١٤. فالقوى الدولية لا توزع السلطة على أساس المكافآت السياسية، ولا تنظر إلى حلفائها المحليين باعتبارهم الورثة الطبيعيين لأي مرحلة جديدة، وإنما تتعامل مع الوقائع وموازين القوى والمصالح كما تتشكل على الأرض.

١٥. ولعل هذا ما يفسر حالة الاستغراب التي حملها المقال تجاه بطء العملية السياسية. إذ يبدو أن صمود كانت تتوقع أن تفضي التطورات السابقة تلقائياً إلى انتقال السلطة إليها، فإذا بالأمور تسير في اتجاه أكثر تعقيداً مما تصورت.

١٦. والأرجح أن ما يقلق صمود احتمال أن تكون هناك ترتيبات أخرى يجري التفكير فيها، أو حوارات مع أطراف كانت تُعتبر خارج المعادلة في السابق.

١٧. وتاريخياً، تُظهر التجارب السياسية أن القوى الدولية لا تتعامل مع الفاعلين المحليين باعتبارهم حلفاء دائمين أو بدائل نهائية، بل كجزء من ترتيبات تتغير وفق المصالح والظروف. ولذلك فإن من المبكر افتراض أن أي طرف محلي يمكن أن يكون الوريث الحصري لمعادلات سياسية معقدة بهذا الشكل.

١٨. ولذلك فإن أهم ما في مقال صباح محمد الحسن ليس ما قالته عن البرهان، وإنما ما كشفته ــ ربما دون قصد ــ عن حالة القلق داخل صمود. فالمقال بدا أقرب إلى رسالة احتجاج على تأخر ترتيبات كانت بعض القوى تظن أنها محسومة، أكثر من كونه تفسيراً لمواقف دول الجوار أو قراءة دقيقة لموازين القوى الحالية.

 

تحياتي

الفاتح الشيخ

١٧ يوليو ٢٠٢٦

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.