أخيراً.. السجناء والمفقودون في دائرة الاهتمام
أخيراً..
السجناء والمفقودون في دائرة الاهتمام
١. منذ اندلاع الحرب، ظلت المعارك تتصدر المشهد، وتزاحمت المبادرات والمنابر والوساطات، وانشغل الجميع بالخرائط العسكرية وترتيبات التسوية السياسية، بينما بقي ملف الأسرى والسجناء والمفقودين في الظل، رغم أنه من أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً وتأثيراً على حياة آلاف الأسر السودانية.
٢. وخلال الفترة الماضية، كثيراً ما جرى الحديث عن “الملف الإنساني” في بيانات الوسطاء والمنظمات الدولية ومداولات التفاوض، لكن هذا المفهوم ظل محصوراً عملياً في قضايا الإغاثة والمساعدات الإنسانية وفتح الممرات وتسهيل وصول الغذاء والدواء. وهي قضايا مهمة بلا شك، غير أن المعاناة الإنسانية لم تكن يوماً مقتصرة على الجوع والمرض وحدهما.
٣. فهناك آلاف الأسر التي تعيش منذ زمن الحرب على وقع الانتظار والقلق والترقب، لا تعرف مصير أبنائها المفقودين، ولا أماكن احتجاز أسراها، ولا الظروف التي يعيشون فيها، ولا حتى ما إذا كانوا لا يزالون على قيد الحياة. ومع ذلك ظل هذا الجانب من المأساة بعيداً عن الاهتمام الذي حظيت به ملفات أخرى.
٤. لذلك تكتسب الرسالة التي بعثتها الحكومة السودانية إلى مجلس الأمن أهمية خاصة، ليس فقط لما تضمنته من أرقام وتفاصيل، وإنما لأنها أعادت هذا الملف إلى واجهة النقاش السياسي والإنساني والدولي بعد غياب طويل.
٥. فالرسالة تتحدث عن أعداد كبيرة من المحتجزين والأسرى المدنيين والعسكريين داخل مراكز احتجاز، وتورد اتهامات خطيرة تتعلق بالتعذيب والتجويع والحرمان من العلاج وتدهور الأوضاع الصحية، بما يعكس جانباً من مأساة إنسانية ظلت بعيدة عن أنظار العالم.
٦. والأخطر من ذلك ما تضمنته الرسالة من اتهامات تتعلق باستئصال أعضاء بشرية من بعض المحتجزين والأسرى، وهي مزاعم بالغة الخطورة لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفصيلاً عابراً في خطاب سياسي. فمثل هذه الاتهامات، إن ثبتت صحتها، تمثل جريمة تتجاوز كل الأعراف والقوانين الإنسانية، وتستوجب تحقيقاً دولياً عاجلاً لكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عنها.
٧. وبغض النظر عن المواقف السياسية أو الاصطفافات القائمة، فإن قضية الأسرى والمحتجزين تظل قضية إنسانية في المقام الأول. فالقانون الدولي الإنساني لم يضع الحماية للأسرى باعتبارهم أطرافاً في الصراع، وإنما باعتبارهم بشراً فقدوا حريتهم ويستحقون الرعاية والحماية.
٨. كما أن الحديث عن هذا الملف لا يكتمل دون التوقف عند قضية النساء والفتيات المختطفات، وهي من أكثر القضايا حساسية وإيلاماً في هذه الحرب. فخلف كل حالة اختفاء توجد أسرة تعيش معاناة يومية قاسية، في ظل الغموض وانقطاع الأخبار وتضارب المعلومات.
٩. ولا تقف آثار هذه الجرائم عند حدود الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي كله. فالأم التي تنتظر ابنها، والزوجة التي تجهل مصير زوجها، والأسرة التي تبحث عن ابنتها المختطفة، جميعها تعيش حالة استنزاف نفسي مستمر، يترك جراحاً عميقة قد تمتد لسنوات طويلة.
١٠. ومن هنا فإن إعادة تعريف “الملف الإنساني” أصبحت ضرورة ملحة. فالإغاثة وحدها لا تكفي، والغذاء والدواء لا يختصران حجم المأساة. بل إن هذا الملف يشمل أيضاً معرفة مصير المفقودين، وضمان سلامة الأسرى والمحتجزين، وكشف أوضاع المختطفين والمختطفات، وتمكين أسرهم من الوصول إلى المعلومات المتعلقة بهم.
١١. والملاحظ أن كثيراً من المنظمات الدولية والحقوقية ظلت تتعامل مع الملف الإنساني من زاوية ضيقة، متأثرة بحملات الضغط الإعلامي. فبينما استحوذت قضية الطيران الحربي على مساحة واسعة من التقارير والبيانات، ظل ملف الأسرى والاختفاء القسري والتعذيب أقل حضوراً، رغم أن هذه الانتهاكات تمس جوهر الكرامة الإنسانية بصورة مباشرة.
١٢. وعلى الجانب الآخر، ظل موقف الاتحاد الأفريقي محصوراً في لوائح وإجراءات تنظيمية لا تبدل ولا تعيد، بينما غاب الاهتمام الجاد بملف الأسرى والمفقودين، وهو ملف إنساني لا علاقة له بالخلافات السياسية أو ترتيبات العضوية، مما يفتح تساؤلات مشروعة حول أولويات هذا الدور الإقليمي.
١٣. وفي المقابل، لا تخلو الحكومة نفسها من المسؤولية، إذ لم يُستثمر هذا الملف بالقدر الكافي في الخطاب الدبلوماسي والإعلامي، وكان يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط وكشف مبكر لجزء كبير من الانتهاكات التي ظلت غائبة عن المشهد الدولي.
١٤. كما كان يمكن توظيفه بصورة أكبر في مواجهة الضغوط المتعلقة بالممرات الإنسانية والهدن، وطرح سؤال مشروع: كيف يمكن الحديث عن ملف إنساني بينما يظل آلاف الأسرى والمفقودين خارج أي رقابة أو معرفة أو مساءلة؟
١٥. كذلك فإن هذا الملف يكشف تناقضات واضحة في خطاب القوى السياسية المتحالفة مع التمرد، والتي ترفع شعارات الحكم المدني والحقوق، بينما يغيب موقفها من واحدة من أكبر القضايا الإنسانية التي أنتجتها الحرب.
١٦. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً اليوم ليس فقط عن المساعدات والممرات، بل عن مصير آلاف السودانيين الذين غابوا خلف الأسوار أو في ظروف الاختفاء القسري. فهؤلاء أيضاً جزء من مأساة وطنية لا تقل أهمية عن أي ملف سياسي أو عسكري.
١٧. وإذا كانت الحكومة قد وضعت هذا الملف أخيراً أمام مجلس الأمن والمجتمع الدولي، فإن المطلوب ألا يبقى في حدود البيانات والمكاتبات، بل أن يتحول إلى مسار قانوني ودبلوماسي وإعلامي متكامل، يهدف إلى كشف الحقيقة وضمان المحاسبة.
١٨. فالحروب لا تُقاس فقط بعدد القتلى والجرحى، وإنما أيضاً بعدد الأسر التي تنتظر مفقوداً، أو تبكي أسيراً، أو تترقب عودة ابنة اختفت في ظروف غامضة. ولذلك فإن إعادة هذا الملف إلى دائرة الاهتمام تمثل خطوة متأخرة، لكنها ضرورية لإنصاف آلاف الأسر السودانية التي ظلت تدفع ثمن الحرب بصمت بعيد عن الأضواء.
تحياتي
الفاتح الشيخ
15 يونيو 2026
