منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*في الليلة الظلماء يفتقد البدر* *بقلم د. محمد عثمان عوض الله* *1 يوليو 2026*

0

*في الليلة الظلماء يفتقد البدر*

بقلم د. محمد عثمان عوض الله

1 يوليو 2026

قضيت في السودان فترة ثلاثة أسابيع. زرت خلالها بورتسودان، عطبرة، أمدرمان، بحري، كسلا. وجدت أن ثلاثة مواضيع تحظى بالإهتمام الأكبر للناس. تحرير كردفان، و ظروف الحياة القاسية، ثم الحسرة على الانقاذ. قال لي رجل تجاوز عمره ال70 عاما، مايزال يعمل في تنجيد المراتب: فقأنا أعيننا بأصبعنا و اسقطنا البشير. قال لي مزارع يعمل على توزيع الألبان للدكاكين في الحي: سنحتاج الى 50 سنة لكي نعود الى النقطة التي أوصلنا اليها البشير. قال آخر: الذين اسقطوا البشير ظهروا على حقيقتهم، مجرد عملاء. اتضخت الصورة الان: على أن عهد البشير كان الامان، و الوفرة، و الخدمات، و التنمية و الاستقرار التي أفتقدوها جميعا. الغالبية غاضبة على قحت بسبب دعمها للجنجويد ضد المواطنين و للأمارات ضد الوطن. لقد سرق الجنجويد كل مدخرات المواطنين و كل الأجهزة من المستشفيات و من المصانع و من الجامعات و من الشركات و كل ممتلكات القطاع العام و الخاص و مع ذلك تدعمهم قحت و تتحمل المسؤولية معهم.

سألت: أين أهل الانقاذ؟ وجدت الاجابة من قلب المجتمع: إنهم مع عامة الناس. يدافعون في الخطوط الامامية لتحرير الاحياء السكنية. و يقدمون الدعم المادي لتكايا الطعام و لإسناد المجتمع و للعودة الطوعية و لإعادة الخدمات و لإعادة الاعمار و الدعم الاعلامي لتوضيح الحقائق للناس. يتحدث الناس عنهم لكنهم لا يتحدثون عن أنفسهم.

سألت عن قادتهم، وجدت القليل من المعلومات. قالوا: رغم أنهم غير سعيدين ببطئ الحكومة في بعض الملفات. و لكنهم مع ذلك يدعمونها. خوفا على الوطن و دفاعا عن المواطن. يدعمون الجيش ليكمل التحرير. يدعمون الحكومة لتعيد بناء المؤسسات و يدعمون عودة المواطنين و الخدمات واعادة الأعمار. و هذه مواقف مبدئية ليس لها علاقة بتقييمهم لكفاءة أداء الحكومة و لا وزرائها. و يقولون أن في ذلك رسالة قوية و واضحة وهي: أن البلد تتعرض لغزو خارجي لذا فإن الأولوية هي ثبيت الوطن و الدولة و المواطن و في مثل هذه الظروف يترفع الناس على الحديث عن النقائص و المعاناة و الاحتياجات اليومية. و تبقى الأولوية هي تثبيت الوطن نفسه.

سألت عن أسماء كانت ملئ السمع والبصر: عوض الجاز، ابراهيم أحمد عمر، المتعافي، كبر، أميرة الفاضل … الخ. قالوا عنهم: انهم يدعمون هذه المواقف الوطنية و يشجعونها. و يرفضون ممارسة أي عمل تنفيذي أو اعلامي أو تنافس. و ذلك لأسباب. منها أنهم أخذوا حظهم من كل ذلك و من الكاميرات و التصريحات و المقابلات وغيرها. و لأنهم لا يريدون فتح باب الجدل الذي يصرف الانظار و الطاقات الى الأشخاص، بعيدا عن معركة الكرامة. و أنهم راضون عن أداء أبنائهم، الوطني، فتركوا لهم ساحة المعركة ليقوموا بواجبهم الوطني و يبلوا فيه بلاءً حسنا، مثل عامة المواطنين دون تقييد تنظيمي أو مواقف حزبية. سألت عن حياتهم الخاصة، قالوا: لا يلقون لها بالا و لا يعيرونها كبير اهتمام. يعانون مثل عامة المواطنين يعيشون معهم شح الإمكانات و ضعف الخدمات و سوء الأوضاع و تقلباتها. منهم من يكتب السير و العبر و المواقف للتأريخ. و منهم من أقبل على المصحف الشريف يحفظه و يتدبره. و منهم من جمع حوله مجلس خاص من اقرانه من المعاشيين من أهل الفكر و الخبرة و التجربة، يتدارسون و يتدبرون و يتسامرون و يعيدون قراءة التاريخ البعيد و القريب بانجازاته و اخفاقاته بعيدا عن الاعلام و عن أي تدخل مباشر في تفاصيل العمل اليومي للحكومة. و يرفعون الأكف بالتضرع و الدعاء لله أن يحفظ السودان و أهله.

خلاصة ما وجدته أن السودانيين يترفعون على معاناتهم و على اخفاقات الحكومة، و يقفون خلفها و يدعمونها من أجل الوطن. و أن رسالة معظم القيادات التاريخية للإنقاذ تقول: أننا جيل انتهى دوره التنفيذي طوعا فلا يتدخلون في شؤون الدولة، ولا قراراتها. و انتهى دورهم الإعلامي فلا يبحثون عن الظهور أو حتى الدفاع عن أنفسهم أو خوض السجالات. كما انتهى دورهم التنظيمي المباشر فتركوا الميدان للأجيال الجديدة لتتصرف وفق تقديرها دون أن ينافسوها على القيادة. و أن دورهم قد تحول إلى دور الحكماء: يقرأون التجربة، ويتبادلون الرأي، ويستخلصون العبر لأنفسهم وللأجيال من بعدهم، لا بقصد توجيه الأحداث الآنية أو الحصول على نفوذ. و لكن اهتمامهم الأكبر هو ميراث التجربة و كتابة المذكرات، ومجالس التأمل، و المراجعة و حفظ الأرشيف و الذاكرة والخبرة وحفظ القران والدعاء.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.