خبر وتحليل | عمار العركي *البرهان والسفير القطري… هل تدخل العلاقات السودانية القطرية مرحلة ما بعد الحرب؟*
خبر وتحليل | عمار العركي
*البرهان والسفير القطري… هل تدخل العلاقات السودانية القطرية مرحلة ما بعد الحرب؟*
من رعاية السلام إلى شراكة إعادة البناء… قراءة في مستقبل العلاقات السودانية القطرية
▪️لا يمكن قراءة التحركات القطرية الأخيرة بمعزل عن تاريخ ممتد من الشراكة السياسية والاقتصادية والإنسانية بين البلدين.
فعلى مدى العقدين الماضيين، ظلت دولة قطر حاضرة في محطات مهمة من تاريخ السودان، سواء عبر الدعم الاقتصادي والتنموي والإنساني، أو من خلال انخراطها في جهود إحلال السلام، أو عبر مواقفها السياسية الداعمة لوحدة السودان وسيادته واستقراره.
ويظل الدور القطري في دارفور أحد أبرز الشواهد على هذا الحضور؛ فقد رعت الدوحة مفاوضات السلام التي أفضت إلى وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011، بعد مسار تفاوضي طويل جمع الحكومة والحركات المسلحة وأصحاب المصلحة.
▪️ولم يقتصر الدور القطري على رعاية الاتفاق، بل امتد إلى متابعة تنفيذه لثماني سنوات، رغم التحديات السياسية والأمنية التي واجهته. كما نظمت قطر مؤتمر المانحين عام 2013، وتبنت رؤية تقوم على أن التنمية تمثل الضامن الحقيقي لاستدامة السلام، فأطلقت برامج تنموية في دارفور، من بينها القرى النموذجية والمجمعات الخدمية، بهدف دعم العودة الطوعية وتحويل السلام من اتفاق سياسي إلى واقع تنموي ملموس.
▪️ورغم أن التحولات السياسية التي شهدها السودان بعد عام 2019 أوقفت عملياً مسار تنفيذ اتفاق الدوحة، فإن التجربة القطرية ظلت تمثل نموذجاً يجمع بين الوساطة السياسية، والدعم التنموي والإنساني، والمتابعة الميدانية، وهي عناصر قلما اجتمعت لدى وسيط واحد.
▪️وخلال الحرب الحالية، حافظت دولة قطر على ثبات موقفها السياسي، مؤكدة دعمها لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ووقوفها إلى جانب الشعب السوداني ومؤسساته الشرعية، وقد عبّر عن هذا الموقف سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خلال استقباله رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في الدوحة، قبل أن يجدد سفير دولة قطر لدى السودان محمد إبراهيم السادة هذا الموقف خلال لقائه الأخير بالبرهان في الخرطوم، في تأكيد على أن السياسة القطرية تجاه السودان نهجاً قائماً على رؤية ثابتة.
▪️وفي هذا السياق، اللقاء الذي جمع البرهان بالسفير القطري حمل في توقيته ومضمونه مؤشرات ورسائل تتجاوز البيان الرسمي، تشير الى دخول العلاقات السودانية القطرية مرحلة جديدة ، واستمرار الرهان القطري على مؤسسات الدولة السودانية في ظل ما أفرزته الحرب من محاولات بعض الأطراف التعامل مع فاعلين خارج الإطار المؤسسي للدولة.
▪️كما أن تجديد السفير القطري تأكيد دعم بلاده للسودان وشعبه ومؤسساته يمثل رسالة سياسية متسقة مع الموقف الذي أعلنه الأمير تميم، ويؤكد أن السياسة القطرية تقوم على التعامل مع الدولة الوطنية ومؤسساتها.
▪️واللافت أن هذا اللقاء جاء متزامناً مع سلسلة من التحركات القطرية الأخرى، من بينها لقاء وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي القطرية لولوة بنت راشد الخاطر بالسفير السوداني في الدوحة لبحث دعم قطاع التعليم، إلى جانب النشاط الإنساني المتواصل للهلال الأحمر القطري داخل السودان.
▪️وعند الربط بين هذه التحركات، تتشكل صورة لمسار متكامل يجمع بين الدعم السياسي، والتعاون التنموي، والعمل الإنساني.
ومن زاوية استراتيجية، فإن التركيز على قطاع التعليم يحمل دلالة مهمة؛ فالحرب ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التعليمية، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من الطلاب والمعلمين ، الأمر الذي يجعل الاستثمار في التعليم أحد أهم مداخل إعادة بناء الدولة.
كما يمنح هذا المجال قطر فرصة لتعزيز حضورها ببناء شراكات مستدامة في التعليم والمعرفة، بما ينسجم مع رؤيتها القائمة على الاستثمار في الإنسان. وفى استمرار النشاط الإنساني للهلال الأحمر القطري تأكيد على هذا الإستثمار ، وان الحضور القطري في السودان لم يكن سياسياً فقط، بل حافظ على بعده المجتمعي والإنساني، بما يعزز رصيد الثقة الذي تراكم عبر سنوات من العمل التنموي.
▪️من جهة أخرى ، تأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المنافسة على النفوذ داخل السودان والقرن الإفريقي. وإذا كانت بعض القوى تعتمد على الأدوات الأمنية أو الاقتصادية، فإن قطر تبدو قادرة على تعزيز حضورها عبر التنمية البشرية والتعليم والعمل الإنساني، وهي أدوات أقل حساسية وأكثر قابلية لبناء تأثير مستدام.
▪️وفي تقديري، فإن الرصيد السياسي والتاريخي الذي راكمته قطر في السودان، إلى جانب خبرتها في ملف السلام بدارفور، يجعلها من الدول العربية المؤهلة للإسهام في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، سواء عبر الدعم التنموي أو الاستثمار أو المساهمة في أي مسار سياسي مستقبلي تتوافق عليه الأطراف السودانية.
*_خلاصة القول ومنتهاه_ :*
▪️ عند قراءة التحركات القطرية الأخيرة بصورة مجتمعة تكشف عن مؤشرات على انتقال العلاقات السودانية القطرية من مرحلة المساندة أثناء الأزمات إلى مرحلة الشراكة في بناء السودان ما بعد الحرب، وإذا نجح الطرفان في تحويل هذا الزخم السياسي إلى برامج عملية في مجالات التعليم والتنمية والاستثمار وإعادة الإعمار، فإن العلاقات بين الخرطوم والدوحة قد تدخل مرحلة جديدة أكثر عمقاً وتأثيراً، مستندة إلى تاريخ من الثقة، ومواقف سياسية متقاربة، ورؤى مشتركة .
