_نهضة بوركينا فاسو… دروسٌ للسودان في بناء الدولة وصناعة المستقبل_ ✍️: _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد_ ~الجمعه : 25 محرم 1448هـ الموافق 10 يوليو 2026م
_نهضة بوركينا فاسو… دروسٌ للسودان في بناء الدولة وصناعة المستقبل_
✍️: _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد_
~الجمعه : 25 محرم 1448هـ الموافق 10 يوليو 2026م
أصبحت بوركينا فاسو خلال السنوات الأخيرة محور اهتمام الباحثين والمراقبين بل محطة الهام ، ليس لأنها أصبحت دولة مثالية أو تجاوزت جميع تحدياتها، وإنما لأنها قدمت نموذجًا يسعى إلى ترسيخ السيادة الوطنية، وتعزيز الاعتماد على الذات، وتوجيه الموارد الوطنية لخدمة التنمية، وهو ما جعل تجربتها محل دراسة ونقاش داخل القارة الإفريقية وخارجها.
وتؤكد تجارب الأمم أن النهضة لا تُقاس بالشعارات ولا بالخطب الرنانة، وإنما تُقاس بقدرة الدولة على تحويل مواردها إلى مشروعات إنتاجية، وبناء مؤسسات قوية، وتحقيق الأمن والاستقرار، وترسيخ سيادة القانون، وإشراك المواطنين في صناعة مستقبل وطنهم.
لقد عانت بوركينا فاسو، كما عانت دول إفريقية كثيرة، من الفقر، والتدخلات الخارجية، والاضطرابات الأمنية، إلا أن قيادتها في السنوات الأخيرة رفعت شعار استعادة القرار الوطني، والعمل على زيادة الاعتماد على الإمكانات المحلية، وتنمية القطاعات الإنتاجية، وتشجيع التصنيع، وتعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية، مع السعي إلى بناء شراكات دولية تحقق مصالح الدولة دون التفريط في سيادتها،
ورغم اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين بوركينا فاسو والسودان، فإن التجارب الإنسانية الناجحة تظل مصدرًا مهمًا لاستخلاص الدروس والعبر، فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها.
وأول هذه الدروس أن النهضة تبدأ بإرادة سياسية صادقة ورؤية وطنية واضحة، تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية، وتؤمن بأن بناء الدولة مشروع طويل يحتاج إلى التخطيط والانضباط والصبر والاستمرارية.
أما الدرس الثاني فيتمثل في الإدارة الرشيدة للموارد. فالسودان يمتلك إمكانات هائلة في الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والمياه والموقع الجغرافي، وهي موارد تؤهله ليكون من أكبر الاقتصادات الإفريقية إذا أُحسن استثمارها، وربطها بالتصنيع، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية.
والدرس الثالث هو أن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة، فلا تنمية بلا أمن، ولا أمن مستدامًا دون عدالة وتنمية. ولذلك فإن إعادة بناء مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الأجهزة العدلية والأمنية والشرطية، تمثل أساسًا لأي مشروع نهضوي، مع تعزيز مفهوم الشرطة المجتمعية باعتبارها شريكًا للمجتمع في الوقاية من الجريمة، وحل المشكلات، وترسيخ السلم الاجتماعي.
ويتمثل الدرس الرابع في الاستثمار في الإنسان، فالتعليم، والتدريب، والبحث العلمي، وبناء القدرات، ورعاية الشباب، وتمكين المرأة، كلها عناصر لا غنى عنها لبناء دولة قوية قادرة على المنافسة في عالم سريع التغير.
أما الدرس الخامس فهو ترسيخ ثقافة الإنتاج والعمل، فالأمم لا تنهض بالاستهلاك، وإنما بالإنتاج والإبداع والابتكار، واحترام قيمة الوقت، وتشجيع المبادرات، وتحويل الثروات الخام إلى صناعات وطنية تحقق القيمة المضافة وتوفر فرص العمل.
*وفي التجربة السودانية، تبرز الحاجة إلى مشروع وطني شامل لإعادة الإعمار بعد سنوات* الحرب، يقوم على المصالحة المجتمعية، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة، وترسيخ سيادة القانون، مع إشراك الجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في صياغة السياسات العامة.
__لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تؤمن بقدراتها، وتحسن إدارة مواردها، وتستثمر في الإنسان، وتبني مؤسساتها على الكفاءة والنزاهة، تستطيع أن تنتقل من دائرة الأزمات إلى فضاء التنمية والازدهار._
إن السودان ليس أقل إمكانات من غيره، بل يمتلك من المقومات الطبيعية والبشرية ما يجعله مؤهلًا ليكون نموذجًا إفريقيًا وعربيًا في التنمية المستدامة، متى ما توفرت القيادة الرشيدة، والإرادة_ الوطنية، ووحدة الصف، وسيادة القانون، والعمل المؤسسي القائم على التخطيط والعلم.
_قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الرعد: 11]._
فهذه الآية ترسم قاعدة حضارية خالدة؛ فالتغيير الحقيقي يبدأ من إصلاح الإنسان، ثم إصلاح المؤسسة، ثم إصلاح الدولة، لتتحقق النهضة المنشودة على أسس راسخة ومستدامة.
_والله ولي التوفيق._
