زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة ثلاثة ملايين دولار… والحقيقة بلا ثمن
زاوية خاصة
نايلة علي محمد الخليفة
ثلاثة ملايين دولار… والحقيقة بلا ثمن
في الحروب لا تُطلق الرصاصات ولا تحلق الطائرات ، ولا تحرك الجيوش وحدها ، فهناك حرب أخرى أكثر خطورة تُدار بالأموال ، وتُشترى فيها المنابر والحناجر ، وتُستأجر فيها الأقلام ، ويُراد لها أن تُعيد كتابة الوقائع بما يتناسب ورواية الممول لا بما جرى على الأرض.
ما كشفه الصحفي الأمريكي نيكولاس كريستوف ، في حديثه عن عرض مالي ضخم قال إنه تلقاه عبر وسيط مقرّب من مسؤول إماراتي رفيع هو منصور بن زايد ، مقابل تغيير خطه التحريري تجاه حرب السودان ، ليست شهادة صحفي والسلام ، بل هي شهادة تثير تساؤلات عميقة حول محاولات التأثير في التغطية الإعلامية لقضية بحجم المأساة السودانية ، فالرواية تكشف عن عقلية ترى أن النفوذ المالي قادر على إعادة تشكيل السردية الإعلامية ، حتى وإن تعارضت مع الوقائع.
لم يعد الدور الإماراتي في الحرب السودانية ، وفق الموقف الرسمي والجماهيري السوداني، قضية تحتمل التأويل إذ تؤكد الدولة أنها تستند إلى مضبوطات وأدلة مادية وبشرية جُمعت من ميادين المعارك وتعد إثباتًا لاستمرار دعم مليشيا الدعم السريع ، كما دفعت الخرطوم بهذا الملف إلى ساحات القانون والدبلوماسية ، في حين تواصل الإمارات نفي هذه الاتهامات المثبتة .
لم يكن السلاح وحده ميدان المواجهة ، بل امتدت المعركة إلى الإعلام والمنظمات ومراكز التأثير ، فما أورده كريستوف ، يشي بان الأمر يتجاوز محاولة التأثير على صحفي بعينه ، ليطرح سؤالًا أكبر إلى أي مدى يمكن للمال أن يعيد تشكيل الرواية ، ويخفف من وقع الجرائم ، ويبدل مواقع الضحية والجاني في نظر العالم ،
وفي الداخل السوداني ، برزت كذلك مواقف وتحركات لقوى سياسية ، من بينها مجموعة صمود بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك ، التي تبنت خطابًا يتوافق مع السردية التي تخدم الدعم السريع ، في وقت كانت فيه المدن تُدمر ، والقرى تُهجّر ، والمواطن السوداني يدفع وحده ثمن الحرب ،
يبدو أن هناك من يعتقد أن كل شيء قابل للبيع المواقف ، والضمائر وحتى ذاكرة الشعوب ، إلا انهم نسوا أن السودانيين ليسوا بحاجة إلى تقارير مدفوعة الأجر ليعرفوا من أحرق بيوتهم ، ولا لمعرفة من سبى وانتهك اعراض حرائرهم ، ولا إلى حملات تلميع ليميزوا بين الضحية والجاني ، فما شهدته الأعين شهادة اكبر من تمحوها الأموال ، وما سجلته الوقائع لا تزيله الحملات الإعلامية.
لقد نجحت الأموال عبر التاريخ ، في استمالة أفراد والتأثير في مواقف ، وتحسين صور أنظمة أمام الرأي العام ، لكنها ظلت عاجزة عن شراء الحقيقة كاملة ، فالحقيقة لا تُقاس بحجم التحويلات المالية ، ولا بعدد شركات العلاقات العامة ، بل بما تثبته الوقائع على الأرض ، وبما يبقى شاهدًا في ذاكرة الشعوب ،
ولعل أهم ما تكشفه قصة “الثلاثة ملايين دولار” ليس قيمة المبلغ ، وإنما قيمة المبدأ ، فحين يرفض صحفي ، وفق روايته ، عرضًا بهذا الحجم ، فإنه يبعث برسالة إلى العالم مفادها أن الحقيقة لا تُقاس بالأرقام ، وأن الضمير المهني لا يُسعَّر بالدولار.
يبقى السودان رغم جراحه ، شاهدًا على أن الحروب قد تُشعلها المصالح ، وقد تُدار بالأموال ، لكن نهايتها يكتبها التاريخ ، والتاريخ لا يكتب إلا بما حدث فعلًا يا ابن زايد ، لا بما أراد أصحاب المال أن يصدقه العالم… لنا عودة.
