منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

خلل المرتبات بالدولة… عندما يصبح الحافز بوابة للفساد ويُفقد العمل قيمته..  د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.

0

 

 

خلل المرتبات بالدولة… عندما يصبح الحافز بوابة للفساد ويُفقد العمل قيمته..

 

د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.

 

 

عندما يقف موظف الخدمة المدنية حائراً بين مرتب أساسي لا يكاد يفي بحاجاته اليومية، وحوافز مشوهة تحول وظيفته الأساسية إلى مهمة لجمع المال. هذه المعضلة ليست مجرد خلل مالي، بل هي أزمة هيكلية عميقة تهدد نسيج الدولة وتُفقد العمل قيمته، وتفتح الباب على مصراعيه لتفشي الرشوة والمحسوبية.

في هذه الزاوية ، نُسلط الضوء على جذور هذه الظاهرة، وتأثيرها المدمر على الإنتاجية والعدالة الاجتماعية، ونطرح تساؤلات حول دور القانون والجهات الرقابية في استدامة هذا الخلل أو معالجته.

قبل أن تندلع الحرب في منتصف أبريل 2023، كانت الأجور في السودان تعاني من تدنٍ شديد، حيث كان الراتب ينفد خلال الأيام العشرة الأولى من الشهر، تاركاً الموظف في معاناة مستمرة لتدبر أموره بالاستدانة . هذا الوضع المزري جعل حياة حوالي 4 ملايين شخص يعملون في قطاع الخدمة العامة على المحك . الحرب لم تخلق المشكلة، بل فاقمتها إلى حد الكارثة، مع توقف الرواتب لشهور متتالية وارتفاع جنوني في الأسعار .

 

لكن الأكثر إيلاماً هو ذلك التناقض الصارخ داخل الجهاز الحكومي نفسه، بين ضعف المرتبات الأساسية للغالبية العظمى، وبين حوافز وتخصيصات ضخمة تُمنح لبعض القطاعات، لدرجة أن بعض كبار الموظفين يتقاضون مبالغ قد تتجاوز 10 ملايين جنيه شهرياً، بينما يقبع موظف صغير آخر بدرجة متدنية على مرتب لا يتجاوز بضع مئات.

المشكلة ليست في الأفراد بحد ذاتهم، بل في النظام والقانون الذي يوجه سلوكهم. عندما يُمنح ضابط شرطة المرور حافز تحصيل يعادل 2000% أو 3000% من راتبه الأساسي ، فإنه يتحول من حافظ لقانون المرور إلى جابٍ للأموال، يُغضبه أن يرى سائقاً ملتزماً لا يمكنه استصدار مخالفة ضده. هنا يتحول الشارع إلى ساحة للصيد، وتُنسى المهمة الأساسية المتمثلة في تنظيم حركة السير وضمان السلامة، ليحل محلها التركيز الكامل على ملء عداد المخالفات .

 

هذا التشوه ناتج مباشر عن نظام حوافز مصمم بشكل سيئ، لم يراعِ التوازن بين مكافأة الجهد وتحقيق المصلحة العامة. فالضابط الذي يُجبر على العيش براتب لا يفي باحتياجاته، سيجد نفسه أمام إغراء لا يُقاوم لتعويض النقص عبر الطرق غير المشروعة، تحت غطاء القانون.

إن الفساد الذي نراه اليوم في الشارع هو مجرد صورة مصغرة عن فساد أوسع في منظومة الحكم. تُشير التقارير إلى أن “بيئة العمل في السودان تشكل تحدياً… تُعد القطاعات التي يتركز بها الاستثمار الأجنبي معرضة بشدة للفساد” . فالرشوة مستشرية في صفوف المسؤولين الحكوميين، الذين يمارسون أعمالهم “باستمرار وبحصانة كاملة” .

 

وحتى في الأنظمة الإدارية كالخدمة المدنية، أشارت قراءة قانونية إلى أن “أي قرار ترقية يتجاهل مبدأ الجدارة الوظيفية يُعد مخالفاً”، معترفةً في الوقت نفسه بأن الواقع يُظهر أن “الاعتماد ليس على حاجز الكفاءة بل أصبح على العلاقات” . هذا يعني أن الموظف الكفء قد يُهمل، بينما يُرقى غيره بناءً على صلاته، مما يعزز الإحباط وينشر ثقافة عدم الإنتاجية.

في ظل هذه الفوضى، تأتي التصريحات الحكومية وكأنها من كوكب آخر. فقد كشف الأمين العام لمجلس الوزراء عن “بشريات بموازنة 2026 تتضمن تحسين الأجور والمعاشات وتوسيع التأمين الصحي” مع توقعات بـ”معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 9%” وانخفاض التضخم . لكن الواقع على الأرض يقول شيئاً آخر، حيث يعاني الملايين من نقص الغذاء والدواء، ويعيش النازحون في ظروف إنسانية صعبة، دون أن تصل لهم المساعدات بشكل فعال .

خلل المرتبات ليس ظاهرة معزولة؛ إنه نتيجة لتداخل عدة عوامل، أزمة اقتصادية خانقة تضرب البلاد منذ سنوات، نظام حوافز مشوه يفتقر إلى العدالة، تفشي المحسوبية التي تقتل الكفاءة، وغياب الشفافية والمساءلة في المؤسسات. إن إصلاح هذا الخلل يتطلب أكثر من مجرد زيادة في الرواتب؛ إنه يتطلب إعادة بناء النظام الإداري والمالي للدولة على أسس من العدالة والكفاءة، ومراجعة شاملة لقوانين الحوافز لمنع استغلالها، ووضع حد للرشوة والمحسوبية التي استشرت في مفاصل الدولة. وإلا، سنظل ننظر إلى الشارع ونرى جوقة من “المتحصلين” لا يحملون هموم المواطن، بل هموم عداد المخالفات.

نقطة سطر جديد.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.