أمواج ناعمة تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٤٦) د. ياسر محجوب الحسين
أمواج ناعمة
تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٤٦)
د. ياسر محجوب الحسين
في أمواج ناعمة، على شاطئ الزمالة الصحفية، نبحر اليوم صحبة موجتين هادئتين: طلحة جبريل، الذي ربط بين المغرب والسودان بقلم يجوب القارات، والزين الحاج حجاز المدثر، الذي غاص في أعماق التصوف وأهله أين ما كانوا في أرض السودان المترامية ببصيرة وأمانة.
قلمان مختلفان في المسار، أحدهم يحاور الرؤساء والملوك، والآخر يرافق المشايخ والذاكرين ويقتحم خلواتهم.. لكنهما يلتقيان في حب الوطن وتعظيم القيم وإخلاص الكلمة.
لنسافر صحبتهما، فالأمواج ناعمة، والتراث حي، والزمالة مستمرة.
طلحة جبريل
في رحاب الصحافة العربية الواسعة، حيث تتلاقى القارات على صفحات الورق وتتجاوز الكلمة الحدود، برز طلحة جبريل كأحد أعلام القلم المرموقين؛ صحفي ومؤلف وأستاذ جامعي، ومدافع شرس عن الحقيقة في زمن التضليل.
ولد طلحة في منطقة مروي، مقيم بالمغرب وكان مديرا لمكتب صحيفة الشرق الأوسط بالعاصمة الأمريكية واشنطن لسنوات عديدة، ومسؤولا لتحرير الصحيفة ومدير مكتبها في المغرب العربي، مديرا للتحرير في لندن مكلف بالطبعة المغاربية. وأصبحت المغرب وطنا ثانيا له بفضل إقامته الطويلة الممتدة فيها، يربط طلحة بين ضفتي النيل والمحيط الأطلسي، وبين نيل السودان وجبال وسهول المغرب، بمسيرة مهنية زاخرة تمتد لأكثر من أربعة عقود.
أجرى مقابلات مع تسعة وعشرين ملكا ورئيسا ورئيس دولة، وألف تسعة عشر كتابا تتناول الصحافة الاستقصائية، وحرية الصحافة، والديناميات السياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحقوق الإنسان، والإعلام المستقل. كتاباته ليست مجرد نصوص، بل روايات صادقة للقصص غير المروية، وسوط على السلطة المتجبرة، وشهادة حية على التزام عميق بالعدالة.
لم يكتف بالكتابة؛ بل وجه أجيالا من الصحفيين الشباب، ولا يزال يدافع بلا كلل عن التقارير الأخلاقية، وحرية التعبير، وبناء مجتمع أكثر عدلا ووعيا. ورغم طول الغربة، ظل قلبه معلقا بوطنه السودان، يحرص على زيارته بانتظام، كأنما يستمد من تربته قوة للقلم ونورا للرؤية.
إنه طلحة جبريل: جسر بين الشعوب، وصوت حر يتردد عبر القارات، وقامة إعلامية شامخة ومثالا يحتذى للصحفي السوداني في دول الاغتراب.
الزين حجاز المدثر
وفي أحضان التصوف السوداني الوارف،
حيث تتمايل أشجار الذكر على ضفاف الروح، وتزهر الزوايا بنور الإيمان، برز الزين الحاج المدثر (الزين حجاز) كأحد أبرز الأقلام المتخصصة في الشأن الديني والثقافي؛ باحث أمين وموثق صادق لتراث الوطن الأصيل.
اشتهر بكتاباته وتحقيقاته المعمقة حول الطرق الصوفية وبتوثيق حياة “الخلاوي” وحلقات الذكر، وإبراز الدور الاجتماعي والروحي العظيم لمشايخ الطرق. لم يكن يكتب عن التصوف كظاهرة بعيدة، بل غاص في أعماقه كظاهرة شعبية متجذرة تشكل نسيج المجتمع السوداني وقيمه النبيلة: التسامح، وقبول الآخر، والتراحم.
ساهم في إلقاء الضوء على تاريخ دخول الطرق الصوفية إلى السودان، ومراحل تطورها، ومواقفها الوطنية عبر العصور. فمقالاته وحواراته أصبحت مرجعا مهما لكل مهتم بأبعاد التصوف السني في السودان، طقوسه، وجمالياته الروحية.
ينتمي إلى عائلة “آل الحجاز” العريقة بأمدرمان، ويحظى بمكانة رفيعة وتقدير واسع في وجدان المجتمع السوداني. عرف بأخلاقه العالية، وأدبه الجم، وتواضعه الدائم. كرس حياته لخدمة التراث السوداني والصوفي، حاضرا في كل محفل بابتسامة تجمع القلوب، مجاملا في الأفراح، مواسيا في الأتراح، عاكسا بصدقه معاني التكافل والتراحم السوداني الأصيل.
اليوم، وهو يتعافى من حادث مؤلم، يغمر الوسط الثقافي والإعلامي مشاعر القلق والدعاء المتواصل له بالشفاء العاجل. فالزين حجاز ليس مجرد كاتب؛ إنه شاهد حي على جمال الروح السودانية، وصوت يحمل عبق التصوف ونقاء التراث. نسأل الله أن يشفيه شفاءً عاجلا اصابات الحادث الأليم الذي تعرض له قبل أيام.
