البعد_الاخر مصعب بريــر الطاقة الشمسية بالسودان الى أين؟
#البعد_الاخر
مصعب بريــر
الطاقة الشمسية بالسودان الى أين؟
الحلقة الأولى: قرارات الرقابة.. حمايةٌ للمواطن أم خنقٌ للشمس؟
هل جربت أن تجلس في بيتك تحت شمس الصيف الحارقة، وتتطلع إلى السطح لترى لوحًا زجاجيًا يجلب لك الضوء والهواء في زمن انقطعت فيه أسباب الخدمة؟ هذا المشهد لم يعد مجرد رفاهية بيئية في السودان، بل أصل الشريان الذي يعتمد عليه ملايين المواطنين لإبقاء هواتفهم وأدويتهم ومياههم على قيد الحياة. غير أن البيان الأخير الصادر عن الجهاز الفني لتنظيم ورقابة الكهرباء فتح بابًا واسعًا من الأسئلة المشروعة، حين أعلن عن ضوابط استيراد جديدة وفرض رسوم فحص تصل إلى ألف جنيه للوح الشمسي ومثلها للعاكس ومائة جنيه لكل أمبير ساعة في البطاريات، إلى جانب رسوم تسجيل الشركات المليونية.
تحاول الحكومة أن توضح أسباب القرار بمنطق يبدو سليمًا في ظاهره؛ فالأسواق السودانية باتت بالفعل ملاذًا لمعدات مغشوشة وخلايا مستعملة تُباع للمواطن المنهك بأسعار باهظة ثم تتوقف عن العمل بعد أشهر قليلة. هذا التشخيص ليس خاطئًا، لكن العلاج الذي طرحته الدولة يعالج العرض ويغفل المرض؛ إذ إن فرض آليات استيراد معقدة وتخصيص رسوم إضافية قد لا يمنع التلاعب بقدر ما يرفع التكلفة النهائية على المستهلك البسيط. إن الفجوة الكبيرة التي اعترفت بها السلطات بين الكميات الداخلة للأسواق وتلك المكتملة لإجراءاتها الرسمية هي إقرار صريح بأن مشكلة التهريب تكمن في كفاءة المنافذ الحدودية، وليس في زيادة الإجراءات الورقية.
إذا نظرنا إلى تجارب دول عاشت أزمات مماثلة مثل الهند أو كينيا، نجد أنها لم تفرض أعباءً إدارية طائلة على الموردين في لحظات الأزمات، بل اعتمدت نظام الاعتماد المسبق للمصنعين العالميين وإنشاء مختبرات فحص سريعة عند المنافذ دون تحميل المشتري رسومًا إضافية. الرقابة المطلوب تطبيقها هي تلك التي تمنع دخول السلعة الرديئة من الحدود بصرامة ينعدم فيها التحايل، وليس تلك التي تجعل المستورد يخوض ماراثونًا من المعاملات بين وزارة التجارة والجمارك وهيئة المواصفات. إن تبسيط الإجراءات مع تغليظ العقوبات على المهربين هو الطريق الصريح لخلق سوق صحي يستوعب إمكانيات المواطن دون مساس بالجودة.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن قطاع الطاقة الشمسية في السودان لم ينمُ بفضل خطط حكومية مسبقة، بل ولد من رحم الحاجة الشعبية والاعتماد على الذات في أوقات الشدة. وحين تقرر الدولة أن تتدخل للرقابة، يجب أن يكون تدخلها يدًا حانية تنظم المنظومة، لا قبضة بيروقراطية تزيد من ثقل الأعباء على كاهل المنهكين. إن تنظيم السوق حق أصيل للحكومة لحماية المستهلك من التضليل، لكن نجاح هذا التنظيم مرهون بمدى تسهيله لحياة الناس لا تعقيدها.
أخيرًا، شمس السودان مجانية ومتاحة للجميع دون استئذان. لكن تحويل هذا الضياء إلى نور ينبض بالعمل يتطلب قرارات تحمي عرق المواطن، لا أن تشاركه في ثمن لوح الطاقة.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الاربعاء | 22 يوليو 2026م
musapbrear@gmail.com
