منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
وبرغم التوقع عبدالمعز حسين مكابرابي الصحافة السودانية.. والمتغولون الجدد (من خرق ثابتها المهني..!؟) البعد_الاخر مصعب بريــر خطة التعافي الصحي: هل نُرمّم الأرواح أم نُشيّد الهياكل الصامتة؟ خواطر قلم 196 دكتور مهندس سامي السر يكتب *خاطرة في صراع الحضارات* نحن أبغض خلق الله للامريكان *الإسل... وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي حميدتي... خطاب النهاية على بلاطة عبير دفع الله عزالدين ✍️ تكتب: غرفة إعلام تتصدى للشائعات.. جبهة جديدة للشرطة لحماية المجتم... شمال كردفان. معركة الحغرافيا وتدافع القوى في ميزان الحرب السودانية دلالات استراتيجية لاستعادة بارا و... برغم التوقع . عبد المعز حسين المكابرابي القوات المسلحة ملاحم العزة والسحق المذل لمليشيا الخزي والعار... زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة الصندوق القومي لرعاية الطلاب... حين تنتصر إرادة الإعمار على شح ا... مجتمعنا بشفافية د.سامى الدين محمد سعيد يكتب الحرب الأخرى مستمرة حرب المخدرات مؤسسات التكافل الاجتماعي... بين الإعلام بالرسالة والإعلام بالمحتاج د. الشاذلي عبداللطيف

البعد_الاخر مصعب بريــر خطة التعافي الصحي: هل نُرمّم الأرواح أم نُشيّد الهياكل الصامتة؟

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
خطة التعافي الصحي: هل نُرمّم الأرواح أم نُشيّد الهياكل الصامتة؟

هل سألت نفسك يوماً لماذا لا نشعر بقيمة “العافية” إلا حين ينطفئ الضوء في المستشفى القريب؟ في السودان، ظللنا لسنوات طويلة نتعامل مع أجسادنا كأنها تعمل بالأمل وحده، معتمدين على بركة الدُّعاء وشفاعة “الستر”، حتى أفقنا على واقعٍ تصحرت فيه صيدليات الأحياء، وصار الحصول على شريط دواء بسيط لضغط الدم أو السكر يشبه رحلة البحث عن إبرة في قاع بحر.

هذا ليس حديثاً عن مرارات الماضي، بل هو عن المعركة الحقيقية التي نخوضها اليوم ونحن نضع حجر الأساس لـ “الخطة الاستراتيجية الوطنية لتعافي القطاع الصحي (2026-2030)”. الحديث هنا لا يتعلق بملف أنيق يُطبع على ورق فاخر ليزيّن مكاتب المسؤولين، بل يتعلق بما يتبقى من حياة المواطن السوداني في السوق، وفي “الحوش”، وفي قرية بعيدة لم تسمع يوماً باسم المصطلحات الإدارية المعقدة.

المشهد الظاهر للجميع يخبرنا بأن المشكلة تكمن في المستشفيات التي تضررت، والكوادر التي هاجرت، والدعم المالي الذي شحّ. وطبيعي، بعد كل هذا، أن نرى الطوابير تطول أمام ما تبقى من مراكز علاجية، وأن تصبح تكلفة المرض أسرع طريق لفقر الأسر. لكن ما لا يُرى للوهلة الأولى، هو أن هذه الأزمة لم تبدأ اليوم ولا أمس؛ إنها ثمرة سنوات طويلة من تعاملنا مع الصحة كـ “مطافئ حريق” وليس كـ “بناء سليم”. ظللنا لنصف قرن نبني مستشفيات مركزية ضخمة في العاصمة، وننسى أن حائط الدفاع الأول عن الإنسان يبدأ من “الشفخانة” الصغرى في القرية، ومن الناموسية التي تقي من الملاريا قبل أن تصل الحُمى إلى العظام.

هذا يشبه تماماً ذلك الرجل الذي ينفق كل رزقه يومياً في إصلاح “عفشة” سيارته المتهالكة، دون أن يتوقف لحظة ليسأل نفسه: لماذا لا نصلح الطريق المتروم بالحفر أولاً؟ يرى البعض أن التعافي الصحي يكتمل ببناء المباني الخرسانية واستيراد الأجهزة الحديثة، ولكن ألا نتحمل جميعاً جزءاً من المسؤولية عندما نختزل مفهوم الصحة في “العلاج” ونغفل عن “الوقاية”؟ وألا نتحمل الإثم عندما نترك الطبيب والممرض يواجهان العدوى والفقر بصدور عارية، ثم نتعجب عندما يغادران الوطن بحثاً عن كرامة العيش؟

بالنسبة للمواطن في سوق ليبيا، أو للزارع في الجزيرة، أو للأم في أقصى كُردفان، فإن أرقام الخطط الاستراتيجية لا تعني شيئاً إن لم تُترجم إلى دواء متوفر بسعر يطيقه الجيب، وطبيب يستقبلك بثبات ويعرف كيف يعالجك دون أن يطالبك ببيع آخر ما تملك. التعافي الحقيقي في خريطة السنوات الخمس القادمة لا ينبغي أن يكون محاولة بائسة لترميم نظام قديم أثبت فشله حتى قبل الأزمة، بل يجب أن يكون إعادة تعريف شاملة لكيفية حماية أرواح الناس، تبدأ من تدريب القابلة في الحارة وتصل إلى توطين صناعة الدواء.

وهكذا تتجمع الخيوط كلها لتشير إلى حقيقة واحدة لا مفر منها: الخطة الاستراتيجية لتعافي القطاع الصحي ليست مجرد جدول زمني للإنفاق، بل هي عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن؛ عقد يقرّ بأن العافية ليست منحة ولا رفاهية، بل هي الأساس الذي من دونه لا يُبنى اقتصاد ولا يستقيم وطن.

بعد اخير :

خلاصة القول، إننا لا نُهزم عندما تتهاوى الجدران أو تُفقد الأجهزة، فهذه أشياء تُبنى وتُشترى من جديد. الهزيمة الحقيقية تبدأ عندما نقتنع بأن المرض قدرٌ محتوم لا يد لنا فيه، وأن الموت بقلة الحيلة هو النصيب الطبيعي للفقراء. التعافي الشامل لا يتطلب معجزة، بل يتطلب شجاعة المواجهة، وتوجيه الموارد نحو حماية الإنسان لا نحو تشييد الهياكل الصامتة.

أخيرًا، إن السنوات القادمة لن تُقاس بعدد المستشفيات التي سنفتتحها ونقص الشريط في مدخلها، بل بعدد أرواح الأمهات والأطفال التي سننقذها في الصباحات الهادئة بعيداً عن أضواء الإعلام. ففي نهاية المطاف، الأوطان لا تُشفى بالخطط المكتوبة على الورق، بل بالقلوب التي تؤمن بأن كرامة المواطن تبدأ من حقّه الأصيل في أن يمرض دون أن يخاف، وأن يتعافى دون أن ينكسر.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.