منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

*جيوسياسةَ* *د. إدريس ايات* *هل طبّع إبراهيم تراوري مع إسرائيل فعلًا؟ أم أن الصورة استُخدمت لبناء رواية مضللة؟*

0

*جيوسياسةَ*

*د. إدريس ايات*

  • *هل طبّع إبراهيم تراوري مع إسرائيل فعلًا؟ أم أن الصورة استُخدمت لبناء رواية مضللة؟*

 

انتشرت في الآونة الأخيرة صورة للرئيس البوركينابي إبراهيم تراوري وهو يتسلم أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي، وقُدمت في كثير من الصفحات العربية على أنها الدليل القاطع على أنه «طبّع» مع إسرائيل.

لكن هل تروي الصورة القصة كاملة؟ الإجابة المختصرة: لا.

فالقضية هنا ليست في صحة الصورة، وإنما في الرواية التي بُنيت عليها، إذ إن التضليل لا يقوم دائمًا على اختلاق الوقائع، بل كثيرًا ما يُصنع عبر اجتزاء الأحداث من سياقها، وإعادة ترتيبها بطريقة تقود المتلقي إلى استنتاجٍ مغاير للحقيقة.

فما الذي تقوله الوقائع؟

تقيم بوركينا فاسو علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ ستينيات القرن الماضي، غير أن التطبيع الرسمي للعلاقات تم عام 1994، في عهد الرئيس بليز كامباوري، ( مسيحي)؛ أي قبل وصول إبراهيم تراوري إلى السلطة بنحو ثلاثة عقود.

ومع ذلك، لم تُفتتح سفارة إسرائيلية في بوركينا فاسو ، ولم تنشأ علاقات ثنائية استثنائية أو تعاون خاص بين البلدين، بل ظل السفير الإسرائيلي غير مقيم ويتخذ من جمهورية ساحل العاج مقرًا له، وهو نمط دبلوماسي معمول به مع عدد من دول غرب إفريقيا.

ويُفسَّر ذلك، في جانب منه، بوجود جاليات مسيحية في بعض تلك الدول تحتاج إلى خدمات قنصلية للحصول على تأشيرات زيارة الأماكن المقدسة، ولذلك يتولى السفير الإسرائيلي المقيم في أبيدجان تغطية أكثر من دولة في المنطقة. ويُلاحظ أن عددًا من دول غرب إفريقيا التي تضم رعايا مسيحيين تعتمد هذا النمط من التمثيل الدبلوماسي، نظرًا إلى حاجة كثير من المسيحيين إلى الحصول على تأشيرات لزيارة الأراضي المقدسة في إسرائيل، حيث يعتقدون أن ميلاد السيد المسيح عليه السلام كان هناك. ولذلك يوجد سفراء لإسرائيل في دول مثل ساحل العاج وغانا، يتولون التمثيل لدى عدد من دول المنطقة للغرض ذاته.

ولم يتوقف الأمر عند عهد الرئيس المُطاح به؛ بليز كامباوري.

فبعد الإطاحة به في الثورة الشعبية، تولى الرئاسة كريستيان روك كابوري، وهو أيضًا رئيس مسيحي، وتسلم بدوره أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي الذي يُدعى ( السفير الإسرائيلي ليو فينوفيتسكي (Léo Vinovezky) خلال مراسم بروتوكولية اعتيادية ضمت عددًا من السفراء الآخرين، وكانت مناسبة تقديم أوراق الاعتماد ضمن اعتماد جماعي لتسعة سفراء في 18 فبراير 2021 في عزّ فترة كورونا، وقبل وصول الرئيس تراوري للحكم، كما تؤكدّه الصور أدناه، وأرفقها بالمصادر في أوّل تعليقٍ كما جرت العادة.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي.

إذا كانت العلاقات الدبلوماسية قائمة منذ عقود، وإذا كان أكثر من رئيس بوركينابي قد استقبل السفير الإسرائيلي ضمن المراسم الدبلوماسية المعتادة، فلماذا تحولت صورة إبراهيم تراوري وحدها إلى دليل على “التطبيع” في الخطاب الإعلامي العربي؟

الجواب، في تقديري، يكمن في آلية صناعة السرديات.

فبعض الخطابات لا تحتاج إلى تزوير الصور أو اختلاق الوثائق، بل يكفيها أن تنتقي لحظة معينة، وتعزلها عن سياقها التاريخي، ثم تقدمها للجمهور وكأنها بداية القصة، بينما تكون في الحقيقة مجرد حلقة متأخرة في سلسلة بدأت قبل عشرات السنين.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بالدفاع عن إبراهيم تراوري أو غيره، وإنما بالدفاع عن منهجية التعامل مع الوقائع.

فمن حق أي شخص أن ينتقد الرئيس البوركينابي أو يختلف معه سياسيًا، لكن ليس من حق أحد أن يبني اتهامًا على رواية مبتورة تتجاهل أن العلاقات الدبلوماسية كانت قائمة أصلًا قبل وصوله إلى الحكم بسنوات طويلة، وأن استقبال السفراء جزء من الإجراءات البروتوكولية التي سبقه إليها رؤساء آخرون.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل كان إغفال هذه الوقائع نتيجة ضعف في التحقق من المعلومات، أم كان انتقاءً متعمدًا لخدمة رواية معينة؟

في جميع الأحوال، تبقى قاعدة واحدة ثابتة:

إن الدفاع عن الحقيقة لا يعني الدفاع عن الأشخاص، كما أن نقد أي مسؤول لا يبرر نسبة وقائع إليه لم تحدث. فالحقيقة لا تتجزأ، ومن يبدأ اليوم باجتزاء الوقائع، سيتقبل غدًا تزييف وقائع أخرى عندما توافق هواه.

ولطالما آمنت بأنّ أخطر أنواع الكذب ليس ما يُختلق من العدم، بل ما يُبنى من حقائق ناقصة، لأن الحقيقة المجتزأة قد تكون أشد تضليلًا من الكذبة الصريحة.

إدريس آيات- قسم العلوم السياسية- جامعة الكويت

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.