البعد_الاخر مصعب بريــر تعافي النظام الصحي بوابته التأمين الحلقة الأولى: التشخيص والانهيار — كيف تحولت المظلة إلى هجير؟
البعد_الاخر
مصعب بريــر
تعافي النظام الصحي بوابته التأمين
الحلقة الأولى: التشخيص والانهيار — كيف تحولت المظلة إلى هجير؟
هل سألت نفسك يوماً لماذا تنهدم الأشياء في أيدينا بالضبط حين نكون في أشد الحاجة لاستعمالها؟ في ردهات مستشفياتنا اليوم، ثمة صوت يتكرر أكثر من أنين المرضى؛ صوت الموظف خلف النافذة وهو يرجع البطاقة ببرود قاتل قائلاً: “التأمين واقف”. في تلك اللحظة بالذات، لا تسقط قطعة بلاستيكية صغيرة على الطاولة، بل تسقط معها كرامة المريض، وتتضاعف أوجاعه بعدد المرات التي اقتُطع فيها من قوته وقوت أطفاله لصالح صندوق وعده بالأمان ثم توارى عند أول حافة.
هذا هو جوهر القضية باختصار: ما نعيشه اليوم ليس مجرد كبوة عابرة فرضتها ظروف حرب أبريل، بل هو انهار كامل لمنظومة أُنشئت في الأساس لتكون حائط صد ضد الفقر والمرض. المأساة الحقيقية تكمن في أن هيئة التأمين الصحي بدل أن تقف مع المواطن المكلوم في أزمته، أدارت ظهرها له بقبح غريب. بدأت بفرض رسوم طائلة تجاوزت في بعض الأحيان نصف قيمة العلاج، ثم أوقفت بطاقات شريحة الفقراء التي يغطيها ديوان الزكاة بحجة تراكم المديونيات، حتى أصبحت الصيدليات التابعة لها خاوية لا تجد فيها حبة “بندول”، وصار المؤمن عليه يتعامل مع مؤسسة وطنية وكأنها “دكان ود البصير”.
الأسباب الظاهرة التي يرددها الجميع اليوم هي نقص التمويل، وتوقف استقطاعات وزارة المالية، وتدهور البنية التحتية جراء الحرب. والنتيجة الحتمية لهذه الأسباب كانت كوارث يلمسها المواطن في رزقه وصحته؛ أسرة تبيع ما تبقى من أثاث بيتها لتدفع فاتورة عملية جراحية، أو مريض سكر يتنقل بين الصيدليات الخاصة بسنديان أسعارها المشتعلة ليشري دواءه كاملاً من جيبه. لكن ما لا يُرى تحت هذا السطح الملتهب، هو أن المشكلة لم تبدأ مع أول رصاصة أطلقت في الخرطوم، بل بدأت يوم قررت هذه الهيئة أن تنحرف عن دورها الاستراتيجي، وتبني لنفسها إمبراطورية موازية لوزارة الصحة.
هذا ينطبق تماماً على ذلك الرجل الذي يصر على تصليح كبري سيارته يومياً، بدلاً من أن يسأل نفسه لماذا يصر على القيادة في طريق مليء بالحفر. السياسيون والمجلس الإداري للصندوق يتعاملون مع التأمين الصحي كأنه جهاز تنفيذي لتقديم الخدمة، يملكون المستشفيات والمراكز والصيدليات، ويستنزفون أموال المشتركين في شراء السيارات والمباني وتوظيف الجيوش الجرارة من الإداريين، بدلاً من أن يكتفوا بجمع الاشتراكات وشراء الخدمة لصالح المواطن. انظر كيف تسللت هذه الرغبة التوسعية الفاشلة لتلد سبباً جديداً لخراب البيوت اليوم؛ لقد أنفقوا رأس المال في المغامرات العقارية والإدارية، فلما جاءت “الحارة”، وجد المواطن الحوش خاوياً والمظلة محترقة.
قد يرى البعض أن اللوم يقع كاملاً على الحكومة التي أهملت سداد التزاماتها المالية، وهذا صحيح جزئياً، لكن ألا تتحمل إدارة التأمين التي ارتضت تحويل التكافل الاجتماعي إلى بؤرة للصرف البذخي المسؤولية الأكبر؟ كيف يستقيم أن تخرج علينا قيادات الصندوق في الأخبار وتتحدث عن “خطط جودة واستدامة ووراش عمل” في مدني أو كسلا، بينما المريض في المستشفى لا يجد شاشاً لنزيفه؟ إنها حالة من الفصام التام عن الواقع، تجعل من هذه التصريحات مجرد استهلاك إعلامي لا يطعم جائعاً ولا يداوي عليلاً.
خلاصة القول، هكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة التي تتجمع فيها كل الخيوط لنواجه الحقيقة العارية؛ إن المؤسسات التي أُنشئت لمكافحة الفقر قد فشلت في أول اختبار حقيقي، وشقت على الناس مرتين: مرة بخذلانهم في وقت الشدة، ومرة بكسر الأمل في غدٍ أفضل.
أخيرًا، إن تعافي النظام الصحي السوداني لن يبدأ بردم الحفر المؤقتة، بل بهدم هذا النهج المائل من أساسه. فنحن لا نملك رفاهية الانتظار بينما يُدفع المواطن المغلوب على أمره إلى الهاوية، لأن كل دقيقة نتردد فيها عن المحاسبة والإصلاح، يُكتب مقابلها سطراً أخيراً في حياة مريض كان يظن أن بطاقته البيضاء تصون روحه.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر
مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
