ابطال الكلمة والكاميرا.. قصة (ماراثون) وقوانين حماية الصحفيين في مناطق النزاع .. كتبت ✍ د.ايناس محمداحمد
ابطال الكلمة والكاميرا.. قصة (ماراثون) وقوانين حماية الصحفيين في مناطق النزاع ..
كتبت ✍
د.ايناس محمداحمد
التحية لقواتنا المسلحة الباسلة وهي تهدي الشعب السوداني النصر المستحق وتستعيد الأرض وتعيد الحياة من جديد لعدد من المدن والقري ليعم الفرح بنصر عظيم ، سالين المولي عز وجل أن يشفي الجرحي والمصابين وأن يتقبل الشهداء في عليين برحمته الواسعة.
بعد انتهاء الحرب باذن الله ويعم السلام الكامل لكل ارجاء بلادنا ، سيكتشف الناس ان هناك العديد من تفاصيل تلك المعارك والعمليات الحربية قد وثقت وحفظت بأسماء أبطالها_ صناع المجد _ الذين وهبو لنا السلام والامن والامان بارواحهم لبلادنا وليطلع عليها اجيال واجيال ، هذا التوثيق قام به جنود اخرون سلاحهم القلم والكاميرا ، ينقلون الخبر ويصورون الحدث ويوثقون المعارك كما هي ، هؤلاء هم المراسلون الحربيين .
علي اختلاف الاماكن والازمان وتفاوت مراحل تطور وسائل الإعلام، الا ان الإعلام كان متواجد بشكل او بآخر خاصة في الحروب لنقل أخبارها وتوثيق احداثها ، ورغم التضاد بين مبدأ السرية في العمليات الحربية ومبدا اذاعة ونشر الخبر في الإعلام الا أنه توجد بينهم مساحة وسطي للقاء تسمي المهنية والوطنية .
تاريخيا يوثق العالم لبعض المطبوعات الحربية للدولة الاشورية تتضمن تلك المطبوعات تقارير واخبار توثق لمعارك حربية قديمة ، وفي العصر اليوناني حينما خاضت اليونان معارك ضارية ضد الفرس منها معركة (ماراثون) الشهيرة التي وقعت في عام 490 قبل الميلاد خلال الحروب بين اثينا والامبراطورية الفارسية ، وبعد انتصار اليونانيين علي الفرس فيها ، قام احد المحاربين يدعي ( فيديبيدس) بالركض حوالي 40 كيلومتر من ارض المعركة (سهل ماراثون) الي (أثينا) لنقل خبر النصر الكبير ، واوصل الخبر الي حاكم المدينة لانه كان يعرف تشوق الناس هناك لمعرفة المنتصر في الحرب ، الا أنه سقط ميتا من التعب والعطش عندما وصل الي اعتاب اثينا و اخبرهم بالنصر ، لذلك الي يومنا هذا تقام سباقات (المارثون) تخليدا لذكري ذلك المحارب او (المراسل الحربي) الذي وثق عمله المؤرخ اليوناني (هيرودوت).
اما الرومان فكانو يدقون الطبول ايذانا ببدءالحرب التي يشنها الإمبراطور الروماني علي اعدائه ، وكان الرومان ينقلون اخبار المعارك بالاتصال الشخصي من شخص لآخر الي ان تصل الاخبارالي الإمبراطورية .
مع مرور الوقت تطورت البشرية وانتشرت الكتابة ثم ظهر اختراع الطباعة التي سهلت جمع المعلومات والأخبار والرسوم في صحيفة واحدة كانت للتوثيق اولا ثم تداولها الناس بعد ذلك فيما بينهم ، بعدها ذادت اهمية المراسل الحربي لموافاة الصحيفة بأخبار المعارك ، وكانو يرافقون الجيش أثناء الحرب.
يوثق القانون الدولي في أرشيف المعارك دور المراسل الحربي حيث تم توثيق عدد من الحروب بين الدول عبر منشورات وصور لمراسلين حربين ، من أهم تلك الحروب الحرب الأهلية الأميركية (1861-1864)م ، والحرب بين الصين واليابان عام 1895م ، وبين اليونان وتركيا عام 1897م ، والحرب بين روسيا واليابان عام 1905م ، هذة الحروب ادت الي تطور مهام المراسلين حتي نصل الي الحرب العالمية الأولى(1914_1918)م حيث اوفدت وكالة رويترز وحدها 115مراسل حربي الي مواقع المعارك لقي 15منهم مصرعهم وفقد وأصيب كثيرون منهم ، وبعد الحرب العالمية الثانية (1939 _ 1945)م ،كانت هناك العديد من التسجيلات الوثائقية بفضل المراسلين الحربيين الذين نقلو ووثقو أحداث ووقائع المعارك وقتها .
لكن ما وضع المراسلين الحربيين في القانون الدولي الانساني؟
في القانون الدولي الانساني يجب التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين في النزاعات المسلحة و هو حجر الزاوية، لأن غير المقاتلين هم ( مدنيين) لهم اتفاقيات دولية كثيرة لحمايتهم ، اما الذين يرافقون الجيوش بموجب تصريح رسمي بذلك فإنهم مرتبطون بالنزاع المسلح في حد ذاته ، وبالتالي فرص استهدافهم وتعرضهم للخطر اكبر ، لذلك فهم يتمتعون بالحماية الدولية المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف الاربع لعام 1949م ، وبالتالي اذا آسر المراسل الحربي فأنه يعامل كأسير حرب وفق اتفاقية جنيف الثالثة والمكملة في البروتوكول الاضافي الاول والقانون الدولي العرفي ، بشرط أن يكون له ترخيص رسمي بمرافقة القوات المسلحة في المعارك .
اما (الصحفيين ) الذين يقومون بمهام خطرة في مناطق النزاع المسلح فهم يتمتعون بالحماية المنصوص عليها في المادة 79 والبرتوكول الاضافي الأول لعام 1977م المتعلق بالنزاعات المسلحة الدولية وكذلك في حالة النزاع غير الدولي بموجب القاعدة 34 للقانون الدولي الانساني العرفي التي نشرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 2005م.
من جهة اخري يتمتع الصحفي والمراسل بحكم وضعهم ك( مدنيين) بحماية القانون الدولي الانساني من الهجمات او الاستهداف العسكري بشرط الا يشاركو في العمليات الحربية كجنود ، وقد يرقي تعمد الهجوم علي الصحفي او المراسل الي جريمة حرب بمقتضي نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية .
كثيرا ما يتعرض المراسل الحربي للإصابة او الاعتقال او الاحتجاز التعسفي او التعذيب وتخريب اجهزتهم وقصف مقراتهم واستهداف اسرهم وهذة كلها أعيان مدنية محمية بموجب القانون الدولي الانساني، وهناك ممارسات محظورة قد تشكل جرائم حرب.
نجد ان المادة 8 من نظام روما الأساسي تنص علي أركان جريمة الحرب المتمثلة في القتل العمد للصحفيين وهي خمسة شروط :
1/ان يتم قتل صحفي او مراسل .
2/ان يكون الشخص او الأشخاص المستهدفين مشمولين (الصحفيين او المراسلين ) بالحمايةوفق اتفاقية جنيف.
3/ان يكون مرتكب الفعل يعلم أن الشخص او مجموعة الأشخاص صحافيين او مراسلين .
4/ان يحدث الفعل في سياق نزاع مسلح دولي .
5/ان يكون مرتكب الجريمة علي علم بالظروف الواقعية التي تثبت وجود نزاع مسلح .
علي صعيد القضاء الدولي نجد في حصانة (جوناثان راندال ) وهو صحفي أميركي بصحيفة (واشنطن بوست ) سعت المحكمة لاجباره علي الادلاء بشهادته بشأن مقابلة صحفية اجراها ، ثم ايدت غرفة الاستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة بتاريخ 11ديسمبر 2002م ان المراسل الحربي او الصحفي الذي يخدم في مناطق النزاع لا يجوز أن يجبر علي الادلاء بالشهادة الا اذا توفر شرطان اولا ان تكون المعلومات المطلوبة حيوية للقضية ، ثانيا ان لا يمكن الحصول عليها بوسائل اخري .
كما اعتبرت المحكمة ان المراسل الحربي ينبغي اعتباره مراقب مستقل وليس شاهدا محتملا للادعاء ، وبالتالي له حصانة من الشهادة القضائية وفق قواعد الاثبات للمحكمة الجنائية الدولية إذ تنص المادة 73 علي ان “الاتصالات التي تمت في إطار علاقة صحفية مهنية يعتبر لها امتياز ولا تخضع بالتالي للافصاح عنها كمصدر ” .
كما حث إعلان مادلين الصادر في مايو 2007م ، وهو إعلان صادر عن اليونسكو لتأمين سلامة الصحفيين وعدم الافلات من العقاب وحمايتهم بمناطق النزاع ، وحث الدول الأعضاء علي التصديق علي البرتوكولين الاضافيين الأول و الثاني لاتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي والامتثال بالالتزامات الواردة في قرار اليونسكو رقم 29 لإصدار تشريع لمقاضاة قاتلي الصحافيين والمراسلين الحربيين ، الصادر عن المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو في دورته التاسعة والعشرين عام 1997م، ويعرف هذا القرار بقرار إدانة العنف ضد الصحفيين والمراسلين .
بموجب القانون الدولي الانساني فإن قتل الصحفيين او المراسلين في النزاعات المسلحة يعد جريمة حرب يترتب علي ارتكابها مثول مرتكبيها_ ايا كان وضعهم _امام المحكمة الجنائية الدولية.
اللهم انصر القوات المسلحة نصرا عزيزا يا الله سبحانك لا ناصر لنا الا انت.
الخميس 30 يوليو 2026م.
