منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر تعافي النظام الصحي بوابته التأمين الحلقة الثانية: الجذور والعدوى — التشوهات الهيكلية وتضخم الجسد

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
تعافي النظام الصحي بوابته التأمين
الحلقة الثانية: الجذور والعدوى — التشوهات الهيكلية وتضخم الجسد

يقول أهلنا في المثل الشعبي: “محنّة كُت كُت.. البلا لبن”، وهو تعبير دقيق يصف تماماً حالة الذهول التي تملك أصحاب القرار وهم يشاهدون انهيار التأمين الصحي اليوم. بداية القصص الناجحة غالباً ما تكون نبيلة؛ فقد بدأ هذا المشروع بقانون عام 1994 ثم تعديل 2001 و2003 بهدف سامٍ للغاية، وهو تجميع المخاطر المرضية وتوزيعها على أوسع نطاق مجتمعي. كانت الفكرة أن تتكافل الدولة مع قدرات المجتمع لتوفير مظلة لحماية محدودِي الدخل. لكن، ماذا يحدث عندما تتجمع كتلة مالية ضخمة في بلد يعاني من هشاشة المؤسسات؟

ما يحدث باختصار هو أن النمل الأبيض يجد طريقه فوراً إلى الخشب الرطب. السبب الظاهر للإخفاق والذي يتناقله الخبراء اليوم هو التماطل الحكومي وتراكم الديون الترليونية لوزارة المالية التي عجزت عن دفع الاستقطاعات الشهريه، إلى جانب الطفح الجماهيري غير المدروس عبر وعود السياسيين بإدخال آلاف الأسر دون دراسات جدوى أو اكتوارية حقيقية. والنتيجة المباشرة كانت انكشاف الصندوق تماماً أمام طوفان الطلب على العلاج، وعجزه عن سداد مستحقات المستشفيات والشركاء لأكثر من تسعة أشهر متتالية.

لكن الجذور الخفية، والتسلل الناعم الذي قاد لهذه الفاجعة، يكمن في ذلك القرار الكارثي الذي اتُخذ في أروقة النافذين بقيادة التامين الصحى بتحويله من “طرف ثالث يشتري الخدمة” إلى “طرف ثاني يقدمها”. هنا سقطت المنظومة في الفخ. وبدلاً من أن تكتفي الهيئة بإداريين ومحاسبين لضبط التكاليف وشراء الخدمة من وزارة الصحة أو القطاع الخاص، ذهبت لتؤسس وزارة صحة موازية كاملة؛ مباني، أسطول حركة، كوادر طبية، حوافز مفتوحة، ونثريات لا تنتهي. انظر كيف أكلت التكلفة الإدارية والمقرّات أصل أموال المؤمن عليهم، وحين انكسر العظم، لم تكن هناك أدنى وسادة مالية للحماية.

حتى التفاهمات والقرارات التاريخية لم تنجُ من هذه العدوى؛ فقرار عدم السماح للصندوق بتملك المنشآت الصحية ظل حبراً على ورق، بل إن تجربة ولاية الخرطوم حين انفصلت بهيئتها “شوامخ” احتجاجاً على توزيع الموارد، انتهت بها الأقدار إلى السقوط في نفس حفرة الصندوق القومي عبر التوسع في تقديم الخدمة والصرف البذخي، حتى حتمت ظروف الحرب الأخيرة إعادة دمج “شوامخ” في الصندوق القومي مجدداً في أغسطس 2024 لتوحيد قنوات التمويل المنهكة. هذا يعكس حجم التخبط الإداري وغياب الرؤية الكلية التي تحكم هذا الملف الحيوي.

هذا الموقف يشبه إلى حد بعيد سائق حافلة ركاب عمومية، قرر فجأة أن يترك عجلة القيادة، وينزل إلى الطريق ليعبد الإسفلت بنفسه بيَد، ويبيع التذاكر باليد الأخرى، متناساً أن ركابه يندفعون نحو المحطة الأخيرة بلا فرامل. كيف ننتظر من مؤسسة أن تحاسب نفسها على جودة الخدمة الطبية وهي نفسها القائمة على تقديمها؟ لقد غاب الحياد، وضاعت بوصلة الرقابة في زحمة المصالح المتشابكة.

إن الربط بين هذا الترهل الهيكلي والواقع اليومي للمواطن البسيط يظهر جلياً في صيدليات الأحياء؛ فالأموال التي كان ينبغي أن تذهب لشراء الشراء الجماعي للأدوية والمستهلكات الطبية عبر الإمدادات الطبية بأسعار ميسرة، أُنفقت على مخصصات وهياكل إدارية لا تنتج علاجاً. والمواطن في النهاية هو من يقف أمام الصيدلي ليسمع العبارة المعادة: “الدواء غير متوفر في التأمين، تجده في الصيدلية المجاورة بالسعر الحر”.

بعد اخير:

خلاصة القول، هكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة التي توضح لنا أن كل محاولات “إطفاء الحرائق” والترقيع الجارية حالياً لن تنقذ جسداً ثقبت الهياكل المترهلة كل شرايينه، ولن تجمله حلات الدعاية المدفوعة، و يجب أن لا نحلم بان يكون طوق نجاة لخطة التعافى الصحى ايضا.

أخيرًا، نحن أمام منظومة أكلت نفسها من الداخل قبل أن تأكلها الحرب، والسكوت على هذا الوضع يعيدنا إلى ذات الدائرة المغلقة من الفشل المكرر. إن لم نملك الشجاعة لتفكيك هذا التورم الهيكلي وإعادة الأمور إلى نصابها، فإننا لن نصنع سوى سراب جديد يُساق إليه الفقراء كلما اشتد عليهم المرض.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.