الكهرباء… من إدارة الأزمة إلى عقيدة وطنية لأمن الطاقة ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
الكهرباء… من إدارة الأزمة إلى عقيدة وطنية لأمن الطاقة
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

يستحق الأستاذ إبراهيم شقلاوي، صاحب قلم “وجه الحقيقة”، كل التقدير على هذا المقال الرصين الذي قدم للرأي العام وجها مهما من وجوه أزمة الكهرباء، وكشف عن الجهد الكبير الذي بذلته الكفاءات الوطنية للحفاظ على تماسك الشبكة القومية في ظرف استثنائي بالغ التعقيد.
وقد أحسن الكاتب حين جمع بين أمرين لا ينبغي أن يفترقا: ضرورة التحقيق في أسباب الحريق ومراجعة أوجه القصور، وفي الوقت نفسه إنصاف المهندسين والفنيين الذين نجحوا، بإمكانات محدودة، في احتواء الأزمة ومنع اتساع آثارها.
لكنني أرى أن القيمة الكبرى لهذا المقال لا تقف عند حدود كشف “رواية الأسرار”، بل فيما تفتحه من باب لفكرة أكبر وأعمق:
إن السودان يحتاج اليوم إلى الانتقال من ثقافة إدارة أزمة الكهرباء إلى بناء عقيدة وطنية لأمن الطاقة.
فنجاحنا في إعادة التيار بعد الانقطاع إنجاز يستحق الاحترام، لكن النجاح الأكبر هو أن نبني شبكة لا يسقطها عطل واحد، ولا يهددها فقدان محول، ولا يجعلها انهيار برج أو محطة رهينة لأزمة تمتد إلى الماء والمستشفيات والاقتصاد وحياة الناس.
أمن الطاقة يعني أن تكون للدولة بدائل قبل وقوع الطوارئ، ومخزون استراتيجي من المحولات وقطع الغيار، ومسارات متعددة لنقل الكهرباء، ومراكز تحكم احتياطية، وفرق تدخل هندسي سريع، وخطط تشغيل جاهزة لأشد السيناريوهات قسوة.
ويعني كذلك أن تتحول تجربة غرفة الطوارئ إلى مؤسسة دائمة لإدارة مخاطر الطاقة، تدرس احتمالات الانهيار قبل وقوعها، وتجري المحاكاة، وتحدد نقاط الضعف، وتضع الحلول مسبقا.
والأهم أن تحفظ الدولة خبراتها البشرية. فالذي حمى الشبكة في ساعات الأزمة لم يكن الحديد وحده، وإنما العقل السوداني والخبرة المتراكمة والإحساس بالمسؤولية.
ولهذا فإن رسالة مقال الأستاذ شقلاوي، في تقديري، يجب ألا تنتهي عند الشكر على نجاح إدارة الأزمة، بل تبدأ منها.
فالدول القوية لا تفاخر فقط بأنها أصلحت ما تعطل، وإنما تبني منظومات تجعل العطل محدودا، والبديل جاهزا، والاستجابة فورية.
شكرا للأستاذ إبراهيم شقلاوي على هذا التوثيق الوطني المهم.
لقد كشف لنا ما حدث خلف أبواب الأزمة، ويبقى واجب الدولة أن تحول هذه التجربة من قصة نجاح مؤقتة إلى منهج دائم
من إدارة الكهرباء… إلى أمن الطاقة.
وهنا تبدأ الدولة القادرة على الصمود
