منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر جامعة النيلين والفساد: هل تُنقذ المناهج ما أفسده الشارع؟

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
جامعة النيلين والفساد: هل تُنقذ المناهج ما أفسده الشارع؟

في كثير من الأحيان، نجلس تحت ظل “راكوبة” قديمة، ندهن أعمدتها بالطلاء الجديد كي تبدو جميلة، بينما الخشب من الداخل قد أترعه السوس منذ سنوات. نبتسم للظهر الأملس، وننسى أن أول هبة رياح قد تسقط السقف على رؤوسنا. هل سألت نفسك يوماً: متى يبدأ الانحراف؟ هل يبدأ في اللحظة التي نرتكب فيها الخطأ، أم في اللحظة التي نعتاد فيها رؤيته فلا ينكر قلبنا شيئاً؟

هذا هو جوهر ما يجري اليوم في أروقتنا الأكاديمية. أعلنت جامعة النيلين مؤخراً، على لسان مديرها البروفيسور الهادي آدم، إجازة مقرر “النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد” كمنهج إجباري لكافة كليات الجامعة، بتخصصاتها التطبيقية والإنسانية، يدرسه ثلاثة عشر أستاذًا من زوايا مختلفة، ليكون المبادرة الأولى من نوعها في السودان منذ توصية وزارة التعليم العالي في عام 2016. هذا ليس حديثاً عن خطوة إدارية عابرة، بل هو محاولة لترميم بنية قيمية نراها تتآكل كل يوم، لكن السؤال المُلِحّ: هل يُزرع الضمير في القاعات بعد أن تكتمل طبقات الخرسانة في عقل الإنسان؟

السبب الظاهر الذي يراه الجميع هو أن الفساد أنهك مؤسساتنا، والنتيجة المباشرة المتوقعة من هذا المقرر هي خريج يرفع شعار النزاهة. ولكن ما لا يُرى للوهلة الأولى، هو أن سلوك الفساد ليس جهلاً بالنصوص القانوينة، بل هو ثقافة تتشكل مبكراً في “الحوش”، وفي طابور المدرسة، وفي تفاصيل البحث عن “الرزق” اليومي في سوق ليبيا أو حافلات المواصلات. عندما يصل الطالب إلى سن العشرين، تكون منظومته الأخلاقية قد صُبّت وجفّت. تعليم النزاهة في هذه المرحلة كمادة نختبر فيها استجابة الطالب وتأثيرها عليه، يشبه تماماً سائق الحافلة الذي يغير زيت المحرك كل أسبوع، بينما الطريق أمامه كله حفر وإشارات المرور معطلة.

التجارب الدولية الناجحة، من رواندا إلى سنغافورة، لم تنجح لأنها أضافت حصة في الجدول، بل لأنها صنعت بيئة متكاملة تصعّب الفساد وتجعل الشفافية خياراً تلقائياً. المبادرات الجزئية في الجامعات قفزة مقدرة، لكنها تظل خطوة تعرج إن لم تسبقها حاضنة حقيقية. الطالب الذي يدرس الشفافية في القاعة، يحتاج أن يراها أولاً في عدالة الامتحانات، وفي شفافية تعيين الأساتذة، وفي القدوة التي يقدمها الإداري قبل أن يلقي عليه المدرس محاضرته. النزاهة ليست نظريات تحفظ لنعبر بها الامتحان، بل هي هواء نتنفسه في الشارع وفي البيت وفي أروقة الجامعة.

بعد اخير:

خلاصة القول، هكذا نصل إلى اللحظة الحاسمة التي تتجمع فيها كل الخيوط لتكشف لنا الحقيقة المرة التي نهرب منها جميعاً. إن محاربة الفساد بالمناهج ليست مجرد طباعة كراسات وتوزيعها على الكليات، بل هي غرس يتطلب تربة صالحة تبدأ من التعليم الأساسي وقيم المجتمع قبل أن تصل إلى مدرجات الجامعة. إذا لم يتحول المنهج إلى سلوك يراه المواطن في معاملات الموظف، ويمارسه الطبيب في المشفي، والمهندس في موقع البناء، فإننا نكون قد أضفنا حبراً جديداً على ورق قديم، ودربنا عقولاً على حفظ التعاريف دون أن نلامس دوافعها.

أخيرًا، القوانين والمناهج لا تمنع أحداً من الانحراف إذا كان يعتقد أن السور قصير والظلام دامس. إننا لا نحتاج إلى خريجين يحفظون تعاريف الشفافية عن ظهر قلب ليحرزوا درجات النجاح، بل إلى أجيال تجعلها قيم النزاهة تستحي من الفساد، حتى لو كانت وحدها في العتمة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.