مشاورات البرهان السياسية هل في الوقت متسع؟ د. الفاتح الشيخ
مشاورات البرهان السياسية
هل في الوقت متسع؟
د. الفاتح الشيخ
١ . انتقد أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة، دعوة بريطانيا شخصيات مرتبطة بتحالف “تأسيس” للمشاركة في مؤتمر يناقش مستقبل السودان. وبغض النظر عن وجاهة هذا الانتقاد، فإن الموقف البريطاني لا يبدو مستغربًا إذا نظرنا إليه في سياق السياسة البريطانية تجاه السودان خلال السنوات الماضية.
٢ . غير أن انتقاد الموقف البريطاني يفتح سؤالًا آخر، ربما يكون أكثر أهمية من الانتقاد نفسه؛ فإذا كانت العواصم الغربية تعيد ترتيب أدواتها وأدوارها، فهل يواكب الداخل السوداني هذه التحولات بمشروع سياسي واضح، أم أن خطواته لا تزال تتحرك بردود الأفعال؟
٣ . وفي هذا السياق، جاءت تصريحات مبارك أردول، أحد قيادات الكتلة الديمقراطية، بشأن اجتماعهم برئيس مجلس السيادة، والتي يفهم منها أن اللقاء تناول ترتيبات سياسية للمرحلة المقبلة.
٤ . وإذا صحت هذه التصريحات، فإنها تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة المشروع السياسي الذي يجري الإعداد له، والأسس التي سيقوم عليها.
٥ . والحقيقة أن الوقت كان متاحًا خلال الفترة الماضية لرسم خارطة طريق تقود إلى حكومة وفاق وطني، قادرة على توحيد الجبهة الداخلية ومقاومة الضغوط الخارجية، خاصة أن الالتفاف الشعبي حول الدولة كان في مرحلة من المراحل أوسع مما هو عليه اليوم، قبل أن يبدأ في التراجع بفعل تعقيدات الحرب وتأخر المعالجات السياسية.
٦ . كما أن الكتلة الديمقراطية، رغم الانتقادات الموجهة إليها، لم تكن بعيدة عن رئيس مجلس السيادة، بل ظلت قريبة من دوائر السلطة، إلا أنها اشتكت مرارًا من تجاهلها، وهو ما جعلها أكثر عرضة للاستقطابات الخارجية، وأسهم في حدوث انقسامات داخلها.
٧ . واليوم يعود التواصل معها في ظرف سياسي أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، ويأتي ذلك في وقت بدأ فيه الغرب، بحسب ما تشير إليه التطورات الأخيرة، في الانتقال من أدوات الضغط الخشنة إلى أدوات أكثر نعومة، تعتمد على التحركات السياسية والدبلوماسية والإنسانية.
٨ . وتكمن خطورة هذه الأدوات في أنها تحظى بتوافق دولي أوسع، كما أن مقاومتها داخليًا تتطلب مشروعًا سياسيًا متماسكًا وجبهة داخلية موحدة، بخلاف الضغوط المباشرة التي كان الشارع يتصدى لها بصورة تلقائية.
٩ . ولذلك، فإن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تبدأ الدولة في بناء مشروعها السياسي وهي في وضع يمنحها حرية الحركة، وبين أن تبدأ ذلك تحت ضغوط خارجية متصاعدة، وبعد أن أصبحت المبادرات الدولية تتحرك بوتيرة أسرع من حركة الداخل.
١٠ . كما أن أي مشروع سياسي لن يحقق الإجماع الوطني المطلوب إذا ظل باب الإقصاء مفتوحًا. فإقصاء الحركة الإسلامية، وهي مكون سياسي واجتماعي لا يمكن تجاهله، لن يؤدي إلى استقرار سياسي.
١١ . وفي المقابل، فإن إعادة تقديم قوى ارتبطت بالتمرد أو بتحالف “تأسيس” عبر أي تسوية سياسية لن تجد قبولًا لدى قطاع واسع من الشعب السوداني، الأمر الذي يجعل من الضروري وضع معايير وطنية واضحة للمشاركة، بعيدًا عن الإقصاء، وبعيدًا عن فرض قوى يرفضها الشارع السوداني.
١٢ . وإلى جانب ذلك، وفي ظل عدم حدوث اختراق مريح في الموقفين الأفريقي والعربي يوفر سندًا سياسيًا لأي مشروع وطني جديد، فإن نجاح أي ترتيبات سياسية داخلية يظل مرتبطًا بتحقيق توافق وطني واسع، بما يمنحها القدرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية، ويعزز فرص الاستقرار والاستمرارية
١٣ . كما أن مراجعة اتفاق جوبا أصبحت ضرورة سياسية، ليس فقط بسبب الانتقادات التي وجهت إليه، وإنما أيضًا بسبب حالة التذمر التي عبرت عنها مسارات الشمال والشرق والوسط، لشعورها بأنها لم تنل ما نالته حركات دارفور، وهو شعور لا يمكن تجاوزه إذا كان الهدف بناء مشروع سياسي متوازن يحظى بقبول أوسع.
١٤ . وإذا صحت تصريحات مبارك أردول، فإن رئيس مجلس السيادة يكون قد بدأ بالفعل مشاورات سياسية، لكنها تأتي في توقيت بالغ الحساسية، وفي وقت لا يزال المشروع السياسي نفسه غير واضح المعالم. فالتحدي اليوم لا يتمثل في عقد الاجتماعات، وإنما في تقديم رؤية وطنية متكاملة تعالج اختلالات المرحلة السابقة، وتحدد بوضوح معايير المشاركة السياسية، بما يضمن حق القوى الوطنية في المشاركة، ويغلق في الوقت نفسه الباب أمام أي محاولة لإعادة إنتاج الأزمة.
١٥ . في ظل التشاكس الحزبي المتعارف عليه، وضيق الزمن الذي قد لا يسمح بتكوين مؤسسات دستورية مستقرة، تزداد مخاطر إنتاج مشروع سياسي لا يحمل مواصفات الإجماع الوطني، ولا يتيح انتقالًا سياسيًا سلسًا، الأمر الذي يستدعي البحث عن خيارات سياسية بديلة قبل أن تضيق مساحة الحركة أكثر.
١٦ . ولا يعني ذلك رفض معالجة الاختلالات التي صاحبت المشهد السياسي، ولكن التأخير خلال الفترة الماضية قلل من الخيارات المتاحة، وجعل مهمة بناء التوافق أكثر صعوبة مما كانت عليه في السابق.
١٧ . وليس هناك، في تقديري، اعتراض على أن يتولى الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئاسة الدولة في هذه المرحلة، على الأقل من باب الوفاء لصمود القوات المسلحة وما قدمته في مواجهة التمرد. غير أن القضية الأساسية لا تتعلق بالشخص، وإنما بالأسس السياسية التي سيستند إليها هذا الاستحقاق، ومدى قدرته على تحقيق إجماع وطني يعزز الاستقرار ويحصن البلاد في مواجهة الضغوط الخارجية.
