منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

إحياء الحركة التعاونية في السودان (6) التمويل التعاوني… كيف نبني رأس المال ونحافظ عليه؟من مساهمات الأعضاء إلى الاستثمار المستدام بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة

0

إحياء الحركة التعاونية في السودان (6)
التمويل التعاوني… كيف نبني رأس المال ونحافظ عليه؟من مساهمات الأعضاء إلى الاستثمار المستدام
بقلم: المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة

في الحلقات السابقة تحدثنا عن أهمية التعاونيات، وعن قدرتها على خدمة المنتج والمستهلك، وعن دور الدولة في تهيئة البيئة المناسبة لها، ثم ناقشنا في الحلقة الماضية قضية الإدارة الرشيدة، وخلصنا إلى أن الإدارة ينبغي أن تقوم على الكفاءة والخبرة والنزاهة، وليس على حجم المساهمة المالية.
واليوم نصل إلى قضية لا يمكن لأي جمعية تعاونية أن تنجح أو تتوسع من دونها:
رأس المال
فمهما كانت الأفكار جيدة، ومهما كانت الحاجة إلى الجمعية كبيرة، فإنها لن تستطيع شراء المنتجات، أو توفير مدخلات الإنتاج، أو إنشاء المخازن، أو شراء وسائل النقل، أو إقامة المصانع، أو دخول الأسواق، من دون رأس مال لكن السؤال الأهم هو:
من أين يأتي رأس المال؟ وكيف نحافظ عليه؟ وكيف نحوله من أموال ساكنة إلى استثمارات منتجة ومستدامة؟من ذاكرة السودان… حين كانت الثقة رأس المال عندما كنا صغارًا، شهدنا آباءنا وهم ينشئون تعاونيات بسيطة بإمكانات محدودة جدًا.
كانت هناك تعاونيات للمراكب، وأخرى للبصات، وتعاونيات للدكاكين وتوفير السلع الأساسية والخدمات التي يحتاجها الناس.
لم تكن رؤوس الأموال كبيرة، ولم تكن أمامهم مؤسسات تمويل متطورة، ولم تكن لديهم الإمكانات الإدارية والتقنية المتوفرة اليوم ، ومع ذلك، استطاعوا أن يحققوا نجاحًا حقيقيًا ،فما الذي كان لديهم؟
كان لديهم تكاتف الجهود، وصدق العزيمة، والثقة المتبادلة، والشعور بأن نجاح الجمعية هو نجاح للجميع.
كان العضو يعرف أن المال الذي يضعه في الجمعية ليس مالًا ضائعًا، وإنما مساهمة في خدمة يحتاج إليها هو وأسرته ومجتمعه.
وهنا نكتشف حقيقة مهمة:
رأس المال التعاوني يبدأ بالثقة قبل أن يبدأ بالمال ،لماذا يتردد العضو اليوم في زيادة مساهمته؟
عندما ننظر إلى واقع كثير من الجمعيات اليوم، نجد أن المشكلة ليست دائمًا في قلة الأموال، وإنما في ضعف الثقة في كيفية إدارة الأموال.
فالعضو يسأل:
أين ستذهب مساهمتي؟من سيديرها؟كيف ستُستثمر؟
من يراقبها؟ماذا يحدث إذا خسرت الجمعية ؟وهل سأحصل على حقوقي كاملة؟
وكلما كانت الإجابات غير واضحة، تردد العضو في زيادة مساهمته.
أما عندما يرى إدارة كفؤة، وحسابات واضحة، وميزانيات معلنة، ومشروعات حقيقية، وأصولًا تنمو، فإنه يصبح أكثر استعدادًا للاستثمار
ولهذا فإن الثقة ليست نتيجة للنجاح فقط، وإنما هي أحد شروط النجاح.
رأس المال لا ينبغي أن يبقى ساكنًا
من الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها بعض الجمعيات أن تجمع الأموال ثم لا تعرف كيف تستثمرها.
رأس المال الذي لا يعمل يفقد جزءًا من قيمته، خصوصًا في اقتصاد يعاني من التضخم وتقلبات الأسعار.
ولهذا يجب أن يكون لكل جمعية خطة استثمار واضحة، تحدد:
* أين تستثمر؟
* ما حجم المخاطر؟
* ما العائد المتوقع؟
* متى تسترد الجمعية أموالها؟
* وما نسبة السيولة التي يجب الاحتفاظ بها؟
فالجمعية التعاونية ليست صندوق ادخار فقط، وإنما مؤسسة اقتصادية إنتاجية.
كيف نبني رأس المال؟
يمكن للجمعية التعاونية أن تبني رأس مالها من عدة مصادر، أهمها:
1. مساهمات الأعضاء وهي الأساس والأهم، لأنها تجعل الأعضاء مرتبطين فعليًا بالجمعية.
لكن يجب أن يشعر العضو بأن زيادة مساهمته تحقق له منفعة حقيقية.
1. إعادة استثمار جزء من الفوائض
ليس من الحكمة توزيع كل الأرباح على الأعضاء.
فالجمعية التي توزع كل فائض تحققه قد تسعد أعضاءها اليوم، لكنها قد تضعف قدرتها على النمو غدًا.
أما تخصيص جزء من الفوائض لبناء الأصول وتوسيع النشاط، فيحول الأرباح الحالية إلى قوة اقتصادية مستقبلية
1. التمويل المصرفي والمؤسسى يمكن للجمعيات القوية أن تستفيد من التمويل المصرفي أو صناديق التمويل التنموي، بشرط أن يكون التمويل مرتبطًا بمشروع واضح قادر على السداد.
2. الشراكات الاستثمارية يمكن الدخول في شراكات مع القطاع الخاص أو المستثمرين في مجالات محددة، مع المحافظة على ملكية الجمعية وحقوق أعضائها.
5. الدعم الحكومي الذكي
وهنا نعود إلى ما ناقشناه في الحلقة الرابعة.
الدولة يمكن أن تساعد من خلال التمويل الميسر، أو الضمانات، أو الإعفاءات، أو تخصيص الأراضي، أو توفير البنية التحتية، دون أن تحول الجمعية إلى مؤسسة تعتمد على المنح.
كيف نحافظ على رأس المال؟
جمع رأس المال أسهل من المحافظة علي ،فالمحافظة عليه تحتاج إلى نظام واضح للرقابة والإدارة.
ومن أهم الضوابط:
أولًا: الفصل بين أموال الجمعية وأموال الأفراد.
ثانيًا: وجود حسابات ومراجعة مالية منتظمة.
ثالثًا: عدم الدخول في استثمارات غير مدروسة.
رابعًا: تحديد الصلاحيات المالية بوضوح.
خامسًا: وجود احتياطي لمواجهة المخاطر.
سادسًا: الإفصاح للأعضاء عن الوضع المالي للجمعية.
فأموال الأعضاء أمانة، وأي تهاون في حمايتها لا يضر الجمعية وحدها، وإنما يهدم الثقة في فكرة التعاون نفسها.
العضو ليس ممولًا فقط
من المهم أن نغير نظرتنا إلى عضو الجمعية ،فالعضو ليس مجرد شخص يدفع مساهمة وينتظر الأرباح.
إنه في الوقت نفسه:
مالك، ومستفيد، ومستثمر، ورقيب، وشريك في النجاح.
ولهذا يجب أن يكون للعضو مصلحة واضحة في استمرار الجمعية ونموها.
فإذا كانت الجمعية الزراعية مثلًا توفر المدخلات بسعر أفضل، وتمول المنتج، ثم تشتري منه محصوله وتسوقه، فإن العضو سيجد أن مصلحته الحقيقية مرتبطة بنجاح الجمعية.
وهنا تتحول الجمعية من مجرد مكان لإيداع المساهمات إلى منظومة اقتصادية متكاملة.
الأرباح… بين التوزيع والنمو
من أكثر القضايا حساسية في العمل التعاوني مسألة الأرباح.
العضو بطبيعة الحال يريد أن يرى عائدًا على مساهمته. وهذا حق مشروع لكن الجمعية التي توزع كل ما تحققه من فائض قد تجد نفسها بعد سنوات بلا أصول قوية ولا قدرة على التوسع لذلك فإن الحكمة تقتضي تحقيق توازن بين:
مكافأة العضو اليوم، وبناء قوة الجمعية للغد.
جزء من الفائض يمكن أن يعود إلى الأعضاء وفق النظام، وجزء آخر يعاد استثماره، وجزء يخصص للاحتياطي وتطوير الجمعية وهذه ليست خسارة للعضو، بل هي استثمار في قيمة مساهمته ومستقبل جمعيته.
ماذا تعلمنا من تجاربنا السودانية؟
إن تجربة التعاونيات التي عشناها في السودان، رغم بساطتها، تحمل دروسًا ثمينة.
فقد استطاع آباؤنا أن ينشئوا مؤسسات اقتصادية تخدم المجتمع بإمكانات محدودة، لأنهم كانوا يؤمنون بأن:
الجهد الفردي محدود، أما الجهد الجماعي فيصنع قوة.
وكان رأس المال قليلًا، لكن الثقة كانت كبيرة وهذه المعادلة نحتاج إلى استعادتها اليوم، ولكن مع إضافة أدوات العصر:
الثقة + رأس المال + الإدارة الكفؤة + الشفافية + التقنية + التخطيط = تعاونية مستدامة.
رسالة إلى الجمعيات التعاونية
إذا أردنا أن نعيد بناء الحركة التعاونية في السودان، فعلينا ألا نبدأ بالسؤال:كم نحتاج من المال؟بل نبدأ بالسؤال:كيف نبني ثقة الأعضاء؟فإذا وثق العضو في الجمعية، زادت مساهمته وإذا رأى أمواله تنمو، دعا غيره للانضمام وإذا نجحت الجمعية في خدمة أعضائها، أصبح نجاحها سببًا في جذب مزيد من رأس المال.
وهكذا تبدأ الحلقة الإيجابية:
الثقة → المساهمة → الاستثمار → النجاح → زيادة الثقة → زيادة رأس المال → التوسع.
كلمة أخيرة
لقد أثبتت لنا التجربة السودانية القديمة أن ضعف الإمكانات لا يعني بالضرورة ضعف النتائج فقد كان آباؤنا يملكون القليل من المال، لكنهم كانوا يملكون الكثير من الثقة والتكاتف وصدق العزيمة.
واليوم نملك فرصًا أكبر، وتقنيات أفضل، وتجارب عالمية واسعة يمكن الاستفادة منها لكننا نحتاج قبل كل شيء إلى إعادة بناء الثقة بين العضو والجمعية، وبين العضو والعضو، وبين الجمعية والمجتمع ،فالجمعية التي تحافظ على أموال أعضائها، وتستثمرها بحكمة، وتكشف حساباتها بوضوح، وتحقق لهم منفعة حقيقية، لن تحتاج إلى البحث طويلًا عن رأس المال.
رأس المال سيبحث عنها.
“رأس مال الجمعية التعاونية لا يبدأ من المال، بل يبدأ من الثقة؛ فإذا اطمأن العضو على ماله، أصبح مستعدًا لأن يضع المزيد.”


المستشار عبدالكريم جعفر الحسن
خبير في المشاريع التنموية والتنمية المستدامة
للتواصل وإبداء الملاحظات والآراء:
abdulkarim.jalhassan@gmail.co

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.