منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
عليكم أن تخسؤوا، وتبوؤوا بشِسع نعل كُليب! =============== ✍️*كتب/ حسن البصير على بلاطة عبير دفع الله عزالدين ================= حين تعود الشبكة... يعود نبض العمل الشرطي سيرة مفكر : جعفر شيخ إدريس ومشروعه المعرفي في الفكر الإسلامي ================= توفيق جعفر خبر و تحليل | عمار العركي ================ اليوم السابع للحرب الإثيوبية: معارك عفر تتسع والحرب تقت... *همسة فجرية* *الداء والدواء* *من عقوبات الذنوب والمعاصي* ============== *✍️د. الشاذل... منال الأمين الفادني تكتب: عامان على رحيل زوجها شهيدا باذنه تعالي وما زال الفقد موجعاً وبرغم التوقع .. عبد المعز حسين مكابرابي الإعلام السوداني ..من دائرة الرد إلي منصة المبادرة (إطار ال... من نيويورك إلى الخرطوم... ماذا تكشف أزمة تأشيرة البرهان؟ د. ميمونة سعيد ابورقاب باحثة استراتيجية وكا... ما يجري في المسجد الأقصى والقدس الشريف خطير : و​لقد صحا العالم ومايزال العرب والمسلمون في غفوتهم ! ... وجه الحقيقة د. إبراهيم شقلاوي ================ الجامعة.. أزمة اختيار أم أزمة دولة؟

رجلٌ واحد يصنع الفارق عبد الرحمن السميط: حين يتحول العمل الصالح إلى مشروع حياة ✍️السفير / رشاد فراج الطيب

0

رجلٌ واحد يصنع الفارق
عبد الرحمن السميط: حين يتحول العمل الصالح إلى مشروع حياة
✍️السفير / رشاد فراج الطيب

في زمنٍ أصبح فيه النجاح عند كثير من الناس يُقاس بما يملكه الإنسان لنفسه ، من مالٍ ومكانةٍ ونفوذٍ وشهرة ، تبرز في التاريخ المعاصر نماذج نادرة اختارت أن تقيس حياتها بما أعطته للآخرين ، وما تركته وراءها من أثرٍ في حياة الناس .
ومن أبرز هذه النماذج الدكتور عبد الرحمن حمود السميط ، الطبيب والداعية والإنسان الكويتي ، الذي اختار أن يجعل من حياته مشروعاً للبر والعمل الصالح ، وأن ينقل مفهوم الدعوة من مجرد الكلام إلى الإنسان ، ومن الوعظ إلى البناء ، ومن الإحسان العابر إلى التنمية المستدامة .
ولد السميط في الكويت عام 1947 ، وتخرج طبيباً من جامعة بغداد ، ثم واصل تخصصه في أمراض المناطق الحارة والأمراض الباطنية والجهاز الهضمي في بريطانيا وكندا ، وكان يستطيع أن يعيش حياة الطبيب الناجح في بيئة مريحة ، وأن يكتفي بمهنته ومكانته العلمية ؛ لكنه اختار طريقاً آخر .
اختار أفريقيا .
ولم تكن أفريقيا بالنسبة إليه مجرد قارة فقيرة تحتاج إلى صدقات ، وإنما كانت إنساناً يحتاج إلى الكرامة ، ومجتمعاً يحتاج إلى التعليم ، وطفلاً يحتاج إلى مدرسة ، ومريضاً يحتاج إلى طبيب ، وأسرةً تحتاج إلى ماء ، وشاباً يحتاج إلى فرصة ، وإنساناً يحتاج قبل كل شيء إلى من يشعر بآلامه ويقف إلى جانبه .
وهنا تكمن عظمة تجربة السميط .
لقد فهم مبكراً أن الفقر ليس مجرد نقصٍ في الطعام ، وإنما قد يكون نقصاً في المعرفة والصحة والماء والعمل والفرصة .
ولذلك لم يحصر مشروعه في توزيع المساعدات ، بل اتجه إلى بناء الإنسان ومقومات الحياة .
ومن خلال لجنة مسلمي أفريقيا التي أصبحت لاحقاً جمعية العون المباشر ، امتد عمله إلى عشرات الدول الأفريقية ، وتحوّل جهده الفردي إلى عمل مؤسسي واسع النطاق .
وتشير المصادر إلى انتشار المشروع في 29 دولة أفريقية ، وإنشاء مئات المدارس ، وأربع جامعات ، وآلاف الآبار ، ومئات المراكز والمرافق الصحية والإسلامية .
لكن الأرقام ، على عظمتها ، ليست هي القصة كلها .
القصة الحقيقية هي : كيف استطاع رجل واحد أن يبدأ ؟
فكثير من الناس يرون الحاجة في العالم ، ويشعرون بالألم ، ويتحدثون عن الفقر والجهل والمرض ، ثم ينتهون إلى القول : ماذا يستطيع الفرد أن يفعل أمام كل هذه المشكلات ؟
السميط قدّم الإجابة بالفعل ، لا بالكلام .
لقد أثبت أن الإنسان لا يحتاج في البداية إلى أن يملك كل شيء حتى يبدأ ، وإنما يحتاج إلى أن يمتلك صدقاً في النية ، ووضوحاً في الهدف، وإرادةً للعمل ، وقدرةً على تحويل الفكرة إلى مؤسسة .
وهذه ربما تكون أعظم رسالة في سيرته .
إن صناعة الفارق لا تبدأ دائماً من القصور ولا من الوزارات ولا من المؤسسات الكبرى .
أحياناً تبدأ من قلب إنسان رأى ألماً فلم يستطع أن يتجاهله .
بدأ السميط طبيباً ، لكنه لم يكتف بعلاج المرضى ؛ حاول أن يعالج أسباب المرض .
ورأى أن الإنسان الذي لا يجد الماء لا تكفيه الموعظة ، وأن الطفل الذي لا يجد مدرسة لا تكفيه الصدقة ، وأن الأسرة التي لا تملك مصدر دخل تحتاج إلى وسيلة تمكنها من الاعتماد على نفسها .
وهكذا أصبح العمل الخيري عنده أقرب إلى مشروع حضاري متكامل .
مدرسة تعني أن طفلاً سيتعلم .
وبئر تعني أن قرية ستعيش .
ومستوصف يعني أن أماً لن تفقد طفلها بسبب مرض يمكن علاجه .
ومركز تدريب يعني أن شاباً يستطيع أن يعمل بدلاً من أن ينتظر الصدقة .
وجامعة تعني أن جيلاً جديداً سيولد قادراً على قيادة مجتمعه .
وهذه هي النقلة الكبرى من إغاثة الإنسان إلى تمكين الإنسان .
ومن هنا فإن تجربة السميط ليست مجرد قصة رجل صالح أحسن إلى الفقراء ؛ إنها نموذج في إدارة الخير وتحويل النية الصالحة إلى أثر اجتماعي واسع .
ولعل أكثر ما يلفت في شخصيته أنه لم ينظر إلى الناس من خلال ألوانهم وأعراقهم وأديانهم ، وإنما من خلال إنسانيتهم وحاجتهم .
وقد عُرف عنه في عمله الخيري أنه لم يجعل المساعدة محصورة في المسلمين ، بل تعامل مع الإنسان المحتاج باعتباره إنساناً يستحق الرحمة والإحسان .
وهذا هو المعنى العظيم للعمل الصالح حين يتحرر من الحسابات المحدودة .
فالخير الحقيقي لا يسأل أولاً : من هذا الإنسان ؟
وإنما يسأل : ماذا يحتاج ؟
ولا يسأل : ماذا سأحصل عليه ؟
وإنما يسأل : ماذا أستطيع أن أعطي ؟
ولا ينشغل كثيراً بمن سيذكر اسمه بعد ذلك ، لأنه يطلب ما هو أبقى من ذكر الناس : رضا الله وحسن الأثر .
ولذلك فإن أعظم ما نتعلمه من السميط ليس عدد المساجد التي بنيت ، ولا الآبار التي حفرت ، ولا المدارس التي أنشئت ، وإنما ذلك التحول العميق في مفهوم الحياة : أن قيمة الإنسان ليست فيما جمعه لنفسه ، وإنما فيما استطاع أن يتركه للناس.
لقد رحل السميط في عام 2013م ، لكن مشروعه لم يرحل معه .
وهنا تظهر قيمة العمل المؤسسي .
فالرجل الذي يكتفي بأن يفعل الخير بنفسه ينتهي أثره غالباً بانتهاء قدرته على العمل ، أما الذي يحوّل الخير إلى مؤسسة وفكرة ونظام وشراكات وأجيال جديدة من العاملين ، فإنه يستطيع أن يستمر بعد رحيله .
وهذه إحدى أعظم دروس السميط : لا تكن أنت المشروع كله ؛ ابنِ مشروعاً يستطيع أن يعيش من بعدك .
إن العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى أصحاب الثروات ، وإنما يحتاج إلى أصحاب الرسالة .
ولا يحتاج فقط إلى من يملك المال ، وإنما إلى من يعرف كيف يحوّل المال إلى فرصة ، والفرصة إلى إنسان منتج ، والإنسان المنتج إلى أسرة مستقرة ، والأسرة المستقرة إلى مجتمع أقوى .
ومن هنا فإن الحديث عن السميط ينبغي ألا يبقى حديثاً عن الماضي ، بل ينبغي أن يتحول إلى سؤال حاضر :
كم سميطاً يمكن أن يصنعه مجتمعنا اليوم ؟
كم إنساناً يستطيع أن يقول : سأخصص جزءاً من وقتي لخدمة الناس ؟
كم طبيباً يستطيع أن يجعل من علمه رسالة ؟
وكم مهندساً يستطيع أن يبني مدرسة أو بئراً أو مشروعاً ؟
وكم رجل أعمال يستطيع أن ينقل جزءاً من ثروته من الاستهلاك إلى التنمية ؟
وكم أكاديمي يستطيع أن يهب جزءاً من علمه لتعليم الفقراء ؟
وكم شاباً يستطيع أن يبدأ مشروعاً صغيراً ثم يحوله إلى مؤسسة كبيرة ؟
إن المجتمعات لا تنهض فقط بقرارات الحكومات ، مهما كانت أهميتها ، وإنما تنهض أيضاً عندما يتحول الخير الفردي إلى ثقافة اجتماعية ، والعمل التطوعي إلى مؤسسات ، والصدقة إلى تنمية ، والنية الصالحة إلى مشروع مستدام .
وهنا تتجلى عظمة الفرد .
الفرد قد يبدو صغيراً أمام حجم المشكلة ، لكنه قد يكون كبيراً أمام حجم الأثر .
فالمشكلة لا تبدأ بحجمها ، والحلول لا تبدأ بحجمها أيضاً . تبدأ بفكرة ، ثم بإرادة ، ثم بخطوة أولى .
والتاريخ مليء برجال ونساء بدأوا وحدهم ، ثم أصبحوا أسباباً في تغيير حياة الملايين .
لم يكن السميط نبياً ولا ملكاً ولا رئيس دولة ، ولم تكن لديه سلطة سياسية أو جيش أو دولة خلفه . كان طبيباً يحمل رسالة ، ورجلاً آمن بأن عمر الإنسان أقصر من أن ينفقه في مطاردة الدنيا ، وأن أعظم استثمار يمكن أن يحققه الإنسان هو أن يستثمر حياته في حياة الآخرين .
ولهذا فإن سيرته تطرح سؤالاً بالغ الأهمية أمام كل واحد منا :
ماذا سيبقى منك عندما ينتهي كل شيء ؟
سيذهب المال .
وتنتهي المناصب .
وتتغير المواقع .
وتنسى كثير من الكلمات .
لكن مدرسة تعلم فيها طفل ، وبئر شرب منه إنسان ، ومريض عولج ، وشاب تعلم حرفة ، وأسرة استطاعت أن تعيش بكرامة ، وعلمٌ انتفع به الناس ، كل ذلك يمكن أن يتحول إلى أثر لا ينقطع .
وهنا يصبح قول الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ أكثر من آية نتلوها ؛ يصبح منهجاً للحياة .
لقد كان السميط نموذجاً للإنسان الذي لم يسأل : كم بقي لي من العمر ؟ وإنما سأل : ماذا أستطيع أن أفعل بما بقي لي من العمر ؟
وهذا هو الفرق بين من يعيش لنفسه ومن يعيش لرسالة .
إن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان في هذه الدنيا أن يجعل وجوده إضافة إلى وجود الآخرين ، وأن يكون سبباً في أن يصبح العالم من حوله أفضل مما وجده .
ولذلك فإن عبد الرحمن السميط لم يكن مجرد داعية ، ولا مجرد طبيب ، ولا مجرد رجل أعمال خيري ؛ كان رجل مشروع .
مشروعه كان الإنسان .
وساحته كانت أفريقيا .
وسلاحه كان العلم والعمل والرحمة .
وثروته الحقيقية كانت الوقت الذي بذله ، والقلوب التي وصل إليها ، والمؤسسات التي تركها ، والأجيال التي فتح لها أبواب المستقبل .
وحين يموت الإنسان وتبقى آثاره تعمل من بعده ، فذلك أحد أصدق معاني قوله تعالى : ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ .
رحم الله عبد الرحمن السميط .
لقد أثبت أن رجلاً واحداً يستطيع أن يصنع الفارق ، وأن العمر القصير يمكن أن يحمل أثراً طويلاً ، وأن الإنسان قد لا يستطيع أن يغيّر العالم كله ، لكنه يستطيع أن يغيّر حياة إنسان واحد ؛ وقد يكون ذلك الإنسان سبباً في تغيير حياة أسرة ، والأسرة سبباً في تغيير مجتمع ، والمجتمع بداية نهضة أمة .
فلا تستصغر عملك الصالح لأنك فرد .
قد تكون أنت البداية .
وقد تكون فكرتك هي التي يحتاجها الناس .
وقد تكون يدك التي تمتد اليوم إلى إنسان محتاج هي اليد التي تفتح له غداً باباً جديداً في الحياة .
فالسؤال ليس : ماذا يستطيع فرد واحد أن يفعل ؟
بل السؤال الأجدر هو :
ماذا يمكن أن يحدث إذا صدق فرد واحد مع الله ، وأخلص في عمله ، وأحسن التخطيط ، واستمر حتى النهاية ؟
تلك هي الرسالة التي تركها السميط .
وذلك هو معنى أن يعيش الإنسان بعيداً عن عبادة الدنيا والهوى ، قريباً من عبادة الله وخدمة خلقه .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.