منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

من خطاب البرهان إلى سؤال الدولة. . ماذا يفعل السودان باليوم التالي للحرب؟ ✍️د. الشاذلي عبداللطيف

0

من خطاب البرهان إلى سؤال الدولة.
.
ماذا يفعل السودان باليوم التالي للحرب؟

✍️د. الشاذلي عبداللطيف

في التاريخ السياسي، لا تكون اللحظة الأخطر دائما هي لحظة الحرب. أحيانا تبدأ اللحظة الأصعب عندما يقترب صوت السلاح من الصمت، ويجد الوطن نفسه أمام السؤال الذي أجلته المعارك: كيف تتحول القوة إلى دولة، والانتصار إلى سلام، والتضحيات إلى مستقبل؟
من هذه الزاوية ينبغي قراءة خطاب رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان بمناسبة العيد الثاني والسبعين للقوات المسلحة. فالخطاب لم يكن احتفاء بذكرى عسكرية فحسب، بل حمل في داخله ملامح تصور لما يمكن أن يكون عليه السودان بعد الحرب.
أولى رسائله أن القوات المسلحة لا تقدم نفسها بديلا عن الدولة، بل قوة لحمايتها. وهذه مسألة جوهرية في فلسفة الحكم؛ فالقوة التي لا يحكمها القانون تصبح عبئا، والقانون الذي لا تحميه قوة الدولة يتحول إلى نص بلا سيادة. والاستقرار الحقيقي يبدأ حين تصبح القوة حارسة للقانون، لا منافسة له.
ومن هنا لم يظهر الحديث عن الحسم العسكري نقيضا للسلام. فالسلام الذي يولد من هشاشة الدولة قد يكون مجرد هدنة مؤجلة، كما أن الانتصار العسكري الذي لا يتحول إلى مشروع سياسي قد يبقى انتصارا ناقصا. ولذلك جاء الربط بين وضع السلاح، وعودة المواطنين، واستعادة الأمن والخدمات، ثم الانتقال إلى ترتيبات السياسة.
وهنا تكمن واحدة من أعمق رسائل الخطاب: أن يعود المواطن إلى بيته قبل أن يعود السياسي إلى مقعده.
أما الحوار السوداني السوداني، فقد مثل أكثر أجزاء الخطاب انفتاحا على المستقبل. فحين تعلن الدولة استعدادها لتوفير الضمانات دون أن تحتكر الحوار أو تحدد أجندته أو ترسم مخرجاته، فإنها تقترب من المفهوم الأرقى للدولة؛ فالدولة ليست طرفا يحتكر الوطن، وإنما إطار دستوري يتعايش داخله المختلفون.
ويتصل بذلك الحديث عن الضمانات القانونية، والتمييز بين وقف الإجراءات والعفو، وبين الحصانة المؤقتة وإسقاط الحقوق. وهي مسألة شديدة الحساسية، لأن المصالحة السياسية لا ينبغي أن تصبح جسرا فوق العدالة، كما أن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة تغلق أبواب السلام.
لكن أكثر أفكار الخطاب إثارة للتأمل هي معادلة الشعب والجيش والنخب.
فالشعب يمنح الشرعية، والجيش يحمي السيادة، والنخب تنتج السياسة. وحين تتصارع هذه المكونات على امتلاك الدولة تختل، وحين يعرف كل منها موقعه ووظيفته تبدأ ملامح الاستقرار الحقيقي.
لقد أثبتت الحرب قدرة السودانيين على الصمود، لكن السلام سيختبر قدرتهم على الحكمة. فالحرب تجمع المختلفين أمام خطر ظاهر، بينما يكشف السلام قدرتهم على إدارة اختلافاتهم دون أن يصنعوا خطرا جديدا.
ولهذا فإن السؤال السوداني الكبير لم يعد فقط: متى تنتهي الحرب؟
السؤال الأعمق هو: ماذا سنفعل باليوم الذي يليها؟
هل نستعيد الدولة القديمة بأزماتها، أم نصنع دولة جديدة من دروس الألم؟
النصر الكامل ليس استعادة مدينة أو مبنى أو موقع فحسب، بل أن يعود المواطن آمنا، ويعود القانون حاكما، وتصبح السياسة مجالا للاختلاف لا بوابة إلى السلاح.
عندها فقط لا يكون السودان قد انتصر في حربه وحدها، بل يكون قد انتصر على الحرب نفسها

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.