دفتر الكرامة – العدد الأول في محراب الصمود الكاتب: ناصر الفاتح
دفتر الكرامة – العدد الأول
في محراب الصمود
الكاتب: ناصر الفاتح

ما كانت معركة الكرامة حرب شوارعٍ وأزقة..
كانت محنة الأمم.. وامتحان الشعوب.. ومحراباً سجد فيه السودان لعزته.
دفعنا المهر غالياً.. لا بدرهمٍ ولا بدينار.
أريقت دماءٌ زكية على قارعة الطريق..
وانتُهكت حُرماتٌ في ظل الغدر..
وتشردت بيوتٌ عامرة فصارت أطلالاً تروي الحكايا..
وسارت قوافل النزوح من أقاصي دارفور إلى تخوم القضارف
ومن قلب الخرطوم إلى منافي الغربة.. تحمل على أكتافها الوجع والصبر معاً.
وهنا.. انقسم الصف.
فريقٌ باع القضية في سوق النخاسة..
ورضي أن يكون مخلب قط في يد مشروعٍ دخيلٍ لا يعرف من السودان إلا الخراب.
دولةٌ اتخذت من الدعارة السياسية تجارة.. ومن المال المدنس سلاحاً..
فظنت أن بدراهمها تشتري أمجاد الرجال.. وهيهات.
وفريقٌ آخر.. اختار الخندق.
شباب في ريعان العمر.. استبدلوا المحابر بالبنادق..
وتقدموا الصفوف مع القوات المسلحة.. خندقاً بخندق.. وكتفاً بكتف.
قدموا الأنفس قرباناً.. والأرواح مهراً.. والجماجم جسراً ليعبر الوطن إلى الضفة الأخرى.
لم يسألوا عن غنيمة.. ولم يلهثوا وراء منصب..
كان نداؤهم واحداً نموت ويحيا السودان.
ومع الجراح.. لم ننكسر.
صبر الجائع حتى شبع عزة..
واحتمل النازح حتى آمن بيقين العودة..
وربط المكلوم على جرحه وقال فداءً للتراب.
لأن القضية كانت كرامة.
والتحية كل التحية
لشهداء معركة الكرامة كافة..
شهداء الخرطوم وأم درمان وبحري..
شهداء الجزيرة ودارفور وكردفان..
شهداء الميدان.. وشهداء القصف.. وشهداء الغدر.
في دفتر الكرامة لن نخط شعاراتٍ جوفاء.
سنكتب بالدمع تارة.. وبالفخر تارات.
ونوّثق للأجيال أن هذا الشعب
حين وُضع بين خيارين. الذل أو الدم..
اختار الدم.. ليحيا الأبناء بعزةٍ لا يشتريها المال.
هذا ليس الختام.. هذا السطر الأول
في سفرٍ عنوانه. الكرامة.
