وأخيرا تنفس المواطن السوداني الصعداء، فقد تمت معالجة واحدة من أعظم أزمات العصر: الرطل! د. الشاذلي عبداللطيف
وأخيرا تنفس المواطن السوداني الصعداء،
فقد تمت معالجة واحدة من أعظم أزمات العصر: الرطل!
د. الشاذلي عبداللطيف

نعم يا سادة، يبدو أننا كنا نبحث في الاتجاه الخطأ طوال هذه السنوات. كنا نظن أن المشكلة في الأسعار التي تقفز كل صباح، أو في الغش التجاري، أو في سلع لا يعرف المواطن أين صنعت ولا متى تنتهي صلاحيتها، أو في ميزان قد يعطيك ثلاثة أرباع الكيلو وهو يبتسم لك ابتسامة الكيلو الكامل.
لكن اتضح أن المتهم الحقيقي كان مختبئا بيننا منذ زمن طويل: الرطل.
الرطل الذي اشترت به جداتنا السكر، وباع به التجار البهارات، ووزنت به الأسواق الحلوى، أصبح فجأة خطرا قوميا يستحق الإلغاء النهائي.
ولا اعتراض عندنا على النظام المتري ولا على استخدام الكيلو والجرام؛ فهذا أمر طبيعي ومفهوم في دولة تريد توحيد القياس. لكن الطريف أن تقدم المسألة وكأن المواطن كان يستيقظ كل صباح وهو يتساءل في قلق: متى نتحرر من الرطل؟
يا جماعة الخير، المواطن اليوم لا تشغله فلسفة الرطل والكيلو بقدر ما يشغله سؤال بسيط جدا:
هل السلعة سليمة؟
هل الوزن حقيقي؟
هل السعر معقول؟
وهل هناك من يراقب السوق أصلا؟
لأننا إذا ألغينا الرطل وأبقينا الميزان المغشوش، فلن نكون قد أصلحنا شيئا؛ سننتقل فقط من غش بالرطل إلى غش بالكيلو، وربما يصبح الغش أكثر أناقة لأنه صار بالنظام المتري!
أما حلوى المولد، فالمستهلك لا يريد أن يعرف هل اشتراها بالرطل أم بالكيلو بقدر ما يريد أن يتأكد أنها صنعت من مواد سليمة، وفي بيئة نظيفة، وبألوان وإضافات غذائية مأمونة، وبسعر لا يجعله يحتاج إلى تمويل مصرفي لشراء كيس حلوى للأطفال.
نحن أمة عجيبة أحيانا؛ قد نترك الفيل يجلس في منتصف الغرفة ثم نعقد اجتماعا عاجلا لمناقشة لون الستارة.
الإصلاح الحقيقي ليس في تغيير أسماء وحدات القياس فقط، بل في جعل السوق نفسه قابلا للقياس: جودة معلومة، وزن مضبوط، سعر معلن، ورقابة لا تعرف المجاملة.
أما الرطل، فليغادر التاريخ مرفوع الرأس.
لقد عاش بيننا طويلا، ولم تثبت عليه حتى الآن تهمة فساد، ولا احتكار، ولا غش تجاري.
المشكلة لم تكن يوما في الرطل الذي نزن به الأشياء، بل في الأشياء الثقيلة التي ظلت فوق ظهر المواطن ولا تجد من يزنها.
د. الشاذلي عبداللطيف
